شعار قسم مدونات

أيكون الرجل وطن؟!

blogs فتاة تبكي

بالأمس، وأنا أدرع شوارع غزة الخالية إلا من المكلومين والمشردين والمجروحين، وعلى غير إرادة مني ساقتني قدماي إلى أحد الشوارع العامة، كان الصباح كئيبا بائسا تفوح منه رائحة القهر، والوجع المعتق بالفقر، وكأنما تتراءى في الأفق أطياف خيانة مرة، حتى طالعتني تلك الفتاة العشرينة، بعويلها الذي يفتت الكبد، حينها تسمرتْ قدماي من هول الموقف، كانت تحثو التراب، ثم ترفع يديها وتجأر بالصوت، أَوْثَقَ الخوفُ قدميّ الخائرتين عن المسير، كنتُ أضعف من المواجهة، بل وأقل من الواجب، تقاذفتْ إلى ذهني خطة تغيير المسار، ولكن إلى أين المسير؟!

 

تلبسني الخوفُ ببجاحة، للمرة الأولى التي أصرِّحُ فيها عن خوفي، حينما انهالت عليّ نداءات السائقين المارين إلى رزقهم، أن أُقْدِمَ إليها لأمد لها يد العون، أو لأحاورها على أقل التقدير. بحجة أنني الفتاة الوحيدة التي احتضنتها شوارعُ البؤس هذه اللحظة، وأمام نداءاتهم المستغيثة لم يكن من بد إلا أن أستجيب، دلفتُ إليها أجرُّ مرارةَ القهر وثقلَ الخوف، كانت النارُ تأكل ما تبقى من حشاشة الروح، ولكن كان لا بد من أن تصحو إنسانيتي من سكرة الوجع، تمالكتُ ما تبقى مني، اقتربتُ منها، فسبحان الذي سخرني لها هذه اللحظة، ألقتْ نفسها إلى أحضاني كطفل تائه، لا أدري حينها كيف اعتصرتُها بين ذراعيَ؟!، كيف تجردتُ من خوفي؟! كيف تماهتْ من أمامي صور الرجال؟!

 

كنا فتاتين وحيدتين وسط جماعة من الرجال، رغم ذلك تناسيتُ كل شيء، وكان لابد من أن ألفَّها بالأمان. كان لابد وأن أكون على قدر المسؤولية، أجل لقد فعلتُ، بدأتُ أهدئ من روعها، وهي تتكوم في صدري كيمامة ذبيحة، ما كانت تعرف هذه الفتاة الجريحة أنها تسند رأسها على بركان صامت، بدأتُ أحاورها في ظلل نداءات رجال الشرطة أن أذهب بها إلى أحد مراكز الشرطة النسائية، وهي تهمس في أذني: "لا أريد أن أفضحه" ثم تتوسلني بكل خوف "خليني معك" ربّتُّ على كتفها أن لا تقلقي صغيرتي "أنا معك".

 

كان وطنا من سراب، فبئس الوطن الذي لا يروي ظمأ محبيه، وبئس الوطن الذي لا يشبع عاشقيه ثمار الحب حين يخون العهد الذي نقشوه على صدر الزمان

وأخيرا بدأ الأمان يشق طريقه في ثنايا وجعها، حتى همستْ إليّ: "رماني بالشارع وأخذ مني البنت" هزتني بكل ما أوتيت من رجاء وهي تتوسلني بقولها: "رجعوني ع الشام، أنا ما لي أهل هون" ضممتُها إلى بكل ما أوتيت من أمان، – ففاقد الشيء أجدر من يعطيه يا كرام – هدأتُ من روعها. أقنعتها بعد جهد أن أرافقها إلى مركز الشرط النسائية، قبلت عرضي شريطة أن أبقى معها، شعرت حينها أن الظروف تتكالب علي لتختبرني أشد اختبار، ولكني هذه المرة هزمت خوفي شر هزيمة، وقبلت شرطها، كما قبلت هي عرضي.

بدأتْ أرواح الرجال من حولنا تتنفس الصعداء، جميعهم كانوا يتحدثون بصوت الحب والأمان، كانت الرجولة حينها سيدة الموقف، فما أجمل الغيرة التي تأتينا مدفوعة بالرجولة الصادقة، وما أن تجهزنا لركوب السيارة باتجاه مركز الشرطة، وقبل أن تخطو قدمها، انضمت إلى القافلة سيارة جديدة، توقفت على مقربة منا حيث كنا واقفتين، نزل السائق مسرعا إلينا وفي عينيه شرارة الجبروت، ساءلتها أيكون هو؟ أومأت برأسها وقد تملكها خوف لا أجيدُ وصفه.

حينها أصبح عليّ أن أغادر المشهد، ليتولى الرجال زمام المبادرة، واصلتُ طريقي التي لا أعرف إلى أين تقودني، وفي عينيّ نهر من دموع، لم تكدْ حكاية هذه الفتاة تفارق عاطفتي، فتاة سورية في مقتبل العمر، تعيش مرارة الغربة ووجع التشظي تحت ولاية وحش في ثوب رجل، لم يرحم غربتها، ولا حتى حداثة سنها، أجل كان وطنا من سراب، فبئس الوطن الذي لا يروي ظمأ محبيه، وبئس الوطن الذي لا يشبع عاشقيه ثمار الحب حين يخون العهد الذي نقشوه على صدر الزمان، وبئس الوطن الذي يلقي أحباءه في مهب الضياع، فقد ملكته نفسها وروحها، نصّبته وليّا عليها دون أهلها، كانت ترى فيه الحب والأمان والحنان وكل شيء، كانت تظنه قيسها وتحسب أنها ليلاه، كان هذا مشهد من مشاهد الأول من مايو 2018.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.