شعار قسم مدونات

ما لم يُكتَبْ في السيرَةِ الذاتية

مدونات - رجل لابتوب يكتب
السيرة الذاتية أو Curriculum Vitae المختصرة بالـ CV هي قصاصة ورقية أو مستند إلكتروني يستعرض فيه المتقدم لوظيفةٍ ما جُلَّ خبراته العلمية والعملية بطريقة منظمة رغبةً منه في الوصولِ إلى الشاغر بَعد أن يلقى تسويقُه لخبراتِه ومهاراتِه ومراتِبه العلمية استحسان المُشَغِّلْ، ولعلَّ كتابةَ السيرةِ الذاتيةِ مُقَيَّدةٌ بالكثيرِ منَ القواعِدِ والأحكام كأن يتحرى الكاتبُ الموضوعيةَ فيما يكتُب وأن يُركِّزَ على المنصِبِ الذي يريدْ وأنْ يكونَ الخطُّ بمقاس مُعينٍ وأن تخلو السيرةُ الذاتيةُ منَ الأخطاء النحوية والصياغة الركيكة والحديث عن المشاريع الفاشلةِ وأسباب استبعادك من وظائِفِك السابقة وما إلى ذلك من القيود التي بإمكانك أن تحصل عليها جميعاً بكبسةِ زرٍ على مُحرك البحثِ في شَبكة الإنترنت.

 

لَستُ هنا بصدد التعمق في كيفية كتابةِ السيرةِ الذاتية أو الحديثِ عَنِ الأمور التي يَجِبُ أن تتضمَّنَها وإنما للحديث عن الأمورِ التي لم تتضمنها والخفايا الكامنة وراءها والتي لم ولن تَرِدَ فيها والتي حتى وإن ورَدتْ، فلا أظنُّ أنَّ أحداً سيأبهُ بِمجموع فناجين القهوةِ التي تناولتها لتبقى مستيقظاً في ليالي الامتحانات أو لأطول فَترَةٍ قضَيتَها دونَ نَومٍ أو راحة.. الموضوع أكبر من فناجين القهوة وأعظم مما كُتِبَ في السيرةِ الذاتية فكما يُقال ما خَفي َأعظَمْ.

 

علينا أن نُعيدَ النَّظَرَ في مَضمونِ السيرةِ الذاتية وأن نجعَلها تَشمَلُ الدموعَ والتعب والإرهاق والتوتر الذي عشناه في سبيل الوصول للشهادةِ أو الوظيفة

تِلكَ الليالي التي قضيناها بلا نَومٍ نتَنَقّلُ بينَ الكُتُبِ والمشاريعِ والوظائف تلك النفوسُ المُتعَبَةُ والمُثقَلةُ بالهموم وأعباءِ الدراسَةِ والعَمَل أولئك الذين نطلب منهم الدعاء مؤازَرَةً لنا في دَربِنا تِلكَ الأماني التي تجوبُ خواطِرنا وتشعِلُ في نفوسنا الإرادة والقوة والقدرة على المتابعة تِلكَ الدموعُ التي ذرفناها حيناً وذرفنا مَعها ضَعفَنا وذرفناها أخرى لِنُعلِنَ عَظيم فَرحَتِنا بِصَنيعِنا بعدَ قَطفِ ثمارِ تَعَبِنا تلكَ الأجسادُ التي أرهَقتها ساعاتُ النومِ القليلة وفناجينُ القَهوةِ الكَثيرة والعقولُ التي استُنزِفَتْ لاستيعاب الكُتِبُ التي لم تَستوعِبها يدانا لِثِقِلها، ولا أظنُّ هذا مُقتَصِراً على طالبِ الطبِّ الذي يضطرُّ بلا مُبالغَةٍ أحياناً لِحفظِ أشكالِ الكَلِماتِ وَرسمِها لاستعصاء لفظها عليه والذي أتَحَدّثُ بلسانِه في هذا المقالِ كوني طبيباً أنهى عامَهُ الدّراسيَّ الأوّل قَبلَ أربعَةِ أيام بَلْ يَشمَلُ كُلّ دارِسٍ أو عامِلٍ بِدَرجاتٍ متفاوِتةٍ في كلِّ اختصاص.
 
تِلكَ الأمورُ التي ذَكَرتُها والكثير الذي لم أذكُره أيضاً لا يُدَوَّنُ في سِيَرِنا الذاتِيةِ ولا يَعلمُ بهِ إلا الله وأنتْ والقليلُ ممنْ حولَكَ إن كُنتَ من أولئك الذينَ يتذمَّرون كثيراً أما إن لم تَكُن مِنهُمْ فَلَنْ تَقطَعَ هذهِ الأمورُ عَتبةَ قَلبِكَ لِيعلَمَ بها الآخرون، وكذلكَ فإنّها لَنْ تُدَوَّن في سيرًتِكَ الذاتيةَ ولن تلقَ أيَّ اعتبار عند تَقَدُّمِكَ لوظيفَةٍ ما. إنَّ فِكرةَ السيرةِ الذاتيةِ ليست مُنصِفَةً لإنجازاتِنا كَما تُنصِفها الكَلِمات التي لَم تَرِد فيها ولكنْ مَن يأبَهُ لِكلِّ هذا؟ وَمَن ذا الذي يرى أنّ عَدد ساعاتِ بقائِك مُستيقظاً للدراسة هو مؤشرٌ لقدرتِكَ على العَملِ لساعاتٍ طَويلةٍ بِقدرٍ عالٍ مِنَ التركيزْ؟ جَميعُ الأمور التي ذكَرتُها تَحمِلُ في طَيّاتِها مُؤشراً جيداً بنوعٍ من النسبية بين المتقدمينَ للوظيفة وأرى أنها بطريقَةٍ ما تُعَدُّ أساساً مِنَ الممكنِ اعتمادُهُ والنَّظَرُ فيه عندَ اختيارِ الموظفين الذين تتساوى درجاتُهُم العلميّة أو خبراتُهُم العَمَليّة.

 

علينا أن نُعيدَ النَّظَرَ في مَضمونِ السيرةِ الذاتية وأن نجعَلها تَشمَلُ الدموعَ والتعب والإرهاق والتوتر الذي عشناه في سبيل الوصول للشهادةِ أو الوظيفة. لذا فَرُبما مِنَ الضّروري جداً أن يُعادَ النَّظَرُ في مَضمونِ السيرةِ الذاتِية وأن تشملَ بالإضافَة لِمحتواها الحالي الأمور التي أَسلَفتُ ذِكرَها بِنوعٍ منَ الإيجاز والاختصار فكلُّ الأمورِ التي ذَكَرتُها تُشَكِّلُ في جَوهَرِها مضمونَ السيرةِ الذاتية، لكنْ لا أظُنُّ هذا مُمكِناً لعدم تحلي الناس بقدرٍ كافٍ مِنَ الموضوعيّة للحديثِ عن هذه الأمور التي يَفعلونها بلا رَقيبٍ والتي مِنَ الواردِ جداً أن تخضَعَ لِكَمٍ هائلٍ منَ التهويل والتعظيمِ عِندَ الحديثِ عَنها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.