شعار قسم مدونات

كيف أصابني مترو القاهرة بالاكتئاب؟

مدونات - مترو القاهرة
"واحد اثنان ثلاثة، همم، سبعة، ينهار أسود، اتناشر!" اثنا عشر محطة تفصل بيني وبين محطة المعادي. اثنا عشر محطّة يتبعها مواصلة أخرى ومشي لا بأس به، أدوّرها في عقلي وأحسبها بالتقريب، أحتاج لساعة تحت الأرض ونصف ساعة فوقها كي أصل، أي ساعة ونصف من الانتقال والوقوف والمشي والركض والعرق والنظرات والاحتكاكات والمكالمات والنكات السمجة وتلك الجيدة ولكنها لا تترك لك مجالًا للضحك لأنك حينها ستبدو مُريبًا.

أُفكّر أنني إذا نجحت بالوصول فعلًا دون أن ألقي بنفسي على سكّة المترو فإنني لن أعود مرّة أخرى أبدًا. في الحقيقة أؤمن بأن طرق الخلاص في المترو كثيرة، من الممكن مثلًا الاستلقاء أمام أبواب العربة لحظة فتحها بالضبط، فيدوس عليّ الرجال المستعجلون (والنساء اللاتي يهربن منهم) فأموت، أو أن أُلقي بنفسي من فتحة اكتشفتها على جوار سلالم محطة العتبة فأسقط على سمّاعاتها التي تغنّي فيها ميريام فارس طيلة اليوم، أو أن أحمل حقيبتي بين يداي وأركض بها هاربًا من رجال الأمن وجهاز كشف المعادن.

إذا لم يقتلوني في ساعتها سأخبرهم بأنني كنتُ مُستعجلًا فحسب. "مستعجل ليه يا روح أمك؟" هكذا سيردّ غالبًا فلن أقدر على الإجابة بكلام منطقي فأجيبه بكلام غير منطقي ينتهي بكلمة "أمك" أيضًا فيُرديني قتيلًا فأنجح بالخلاص، هل رأيتم؟ الأمور تبدو أسهل إن نظرت إليها من تحت الأرض!

أقترب من أحد الأبواب وأسند بظهري عليه، ينظر إليّ أحد الشباب ويخبرني "خلي بالي ده بيفتح في محطة دار السلام، بلاش تموت ههه" فأفكّر "بيرفكت!"

كان المترو قد اقترب حينما استسلمت لفكرة حبسي على ذمّة الوصول وأنا أقف تحت لوحة كبيرة بأسماء المحطات التي عليّ اجتيازها. يصل المترو مُعلنًا الحرب على الجميع عندما تبدأ الصافرات بالصراخ فيما تشتعل الانارة الحمراء في المكان. شعرت في المرة الأولى بأنني في ملجأ وأنّ قذيفة ما ستسقط على رؤوسنا في أيّ لحظة ولكن ذلك لم يحدث لسوء الحظ.

أحاول الاقتراب من إشارة السهم المرسومة على الأرض. رُسمت نحو الخارج، ولكن كما نعلم جميعًا، سندخل كلنا ونخرج من الباب ذاته. يقف المترو بعد الاشارة بنصف متر فأُصبح في المؤخرة بعدما كنتُ أستمتع بكوني الأوّل عليهم. لا أدري عادةً كيف أُصبح بداخل العربة لأنني أدخل، في كلّ مرة، محمولًا على الأكتاف.

أبحث عن تلك الدوائر البلاستيكية البيضاء المُعلّقة كالمشانق فوق رؤوسنا، أحاول الإمساك بواحدة ولكن لا مجال. استحضر فجأة مشاهدًا في عقلي لا تزال مطبوعة لعدد من الخبراء اليابانيين وهم يمسحون كافة المقابض والكراسي والحواف في حافلات طوكيو عام 2003 عندما غزت انفلونزا الطيور العالم. أتساءل إن كان الولد "حدوتة" المسؤول عن نظافة المكان قد فعل المثل هنا.

أقترب من أحد الأبواب وأسند بظهري عليه، ينظر إليّ أحد الشباب ويخبرني "خلي بالي ده بيفتح في محطة دار السلام، بلاش تموت ههه" فأفكّر "بيرفكت!". أحد الباعة يبدأ بالمناداة "سماعات مصر للطيران الأصلية مع ووكمان هدية بعشرة جنيه بس!". أقف مذهولًا وكأن ثقبًا زمنيًا ابتلعني. سمّاعات مصر للطيران؟ والأصلية؟ مع ووكمان؟ لن يشتري منه أحد من روّاد هذه العربة فبنظرة سريعة على الحضور تُدرك ذلك رغم تنوعهم بين كبار السن والأطفال مع بعض الشبان هنا وهناك. الكبار منهم يدركون بأنه جهاز قديم لا فائدة منه الآن، مع ذلك قد يحاول أحدهم شرائه فقط من أجل إشباع حنينه لتلك الأشياء. أمّا الشباب فلن يقوم أحدهم بالمجازفة بدفع عشرة جنيهات مقابل جهاز لن يستخدمه أبدًا فيما لا داعي للكلام عن الأطفال الذين يظنون أنه اسم تطبيق هاتفي جديد.

undefined

من بين العدم وبصوت عال يطلب الشاب الواقف إلى جواري جهازًا من هؤلاء. قهرني انهيار تحليلي لما يجري بهذه السرعة. أحضر البائع جهازًا فتلقفه الشاب وناوله عشرة جنيهات بحركة سريعة. يضع الشاب الجهاز في حقيبته المركونة إلى جوار الباب دون أن يفحصه. يبتعد البائع وهو يصرخ "واحد خد جهاز هنا مين كمان هياخد بعشرة جنيه بس". تبدأ الأصوات بالعلو تدريجيًا، فتى صغير أعجبه الأمر فاقتنى واحدًا. امرأة أخذته ومالت إلى شابة تجاورها وهي تضحك، وآخرون في آخر العربة طلبوا إلقاء نظرة عليه.

يقف المترو في واحدة من المحطات ويخرج الفتى إلى جواري فأتبعه بنظري لأراه يدلف إلى العربة المجاورة ومن وراءه البائع ذاته. يتحرّك المترو وأضحك بصوت مسموع ثم أنتبه إلى كمية العرق التي غطت وجهي ووجوه الحاضرين. أرفع يدي نحو السقف فلا أشعر بأيّ هواء يتدفق من أيّ جهة. أبدأ بالذعر، لا أفضّل الموت اختناقًا مهما حدث. أحاول تهدئة نفسي. العرق مفيد للجسم، العرق يخلصه من السموم. لا بدّ وأنّ روائحنا الآن عظيمة للغاية، ومن حسن حظ المرء أنه يفقد شعوره بتلك الروائح بعدما يعتاد أنفه عليها. يبدأ الجميع بالتوتر فيزاحمون بعضهم ببطء قبل أن تتحول المزاحمة إلى تدافع والتدافع إلى تحرّش والتحرّش إلى صراخ وانهيارات عصبية.

باقي بضعة محطات والمترو يقف فاتحًا أبوابه، بدأ الناس بالنزول فأنزل معهم، الجميع يركض باتجاه السلالم ثم يصطفون وراء المتحرّكة منها. نصعد واحدًا ومائةً وألفًا نحو المجهول مودعين آخر العربات وفارّين نحو مكان به أفق، مكان تستطيع رؤية السُحب من خلاله والتنفّس ومراقبة حركتها لتنسى بأنّك ثابت لبضع ثوان.. يستمر الركاب بالخروج واحدًا تلو الآخر عبر الممرات المعدنية، ومن خلفهم يتلاشى تدريجيًا صوت ميريام فارس وهي تغني برقّة لا تلائم المكان "شوف حالك علي، تكبّر لا تشبع.. ازرع كل حقدك في، فل وما ترجع".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.