شعار قسم مدونات

رمضان بين مدرسة روحية وعادات تقليدية

blogs - ramadan+

صوم رمضان هو أحد أركان الدين الإسلامي العظيم، وقد وردت الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على صيامه، ليس فقط لأن الصوم واجب في حق المسلم، بل لِما يؤثر في نفس وروح الصائم فيرفع من تقواه ويزيد من طاعته، وإن تاريخنا الإسلامي ليزخر بمواقف رمضانية شتى دلت على أن رمضان هو مدرسة روحية بامتياز، فكبرى الغزوات الإسلامية وعلى رأسها غزوة بدر جرت في رمضان.

يزورنا رمضان في كل عام مرة واحدة، وهذا يجعل من رمضان زائراً عزيزاً ينتظره الجميع بفارغ الصبر، فهو ليس كالزائر الثقيل الذي تراه دوماً ويطرق بابك كل حين، ولهذا لا يجب التعامل مع هذا الزائر على أنه ضيف تقليدي، تفعل ما تفعله مع باقي الزائرين وإلا فقد قيمته. وبالفعل تعامل سلفنا الصالح مع رمضان على هذا الأساس، يُجِلّونه ويحترمون حرمته ويزدادون في العبادة، فهو في نظرهم محطة للاستزادة من الخير والطاعة فبارك الله لهم فيه وصنعوا تلك المعجزات التي سطّرتها كتب التاريخ وما زلنا نتداولها إلى وقتنا هذا.
 

لا بد لنا أن ننظر للجانب المشرق من العادات التي سيطرت على مجتمعاتنا، فما زالت عادة الولائم ومساعدة الفقراء والوقوف بجانبهم واستقبال رمضان بالزينة وغيرها من العادات الإيجابية

أما حالنا اليوم فقد أصبح فيه رمضان عادة اجتماعية فقد فُرِّغ من محتواه الإيماني والتعبدي ففقد رمضان مغزاه وأصبح عبارة عن سلوكيات وممارسات خالية من فحوى العبادة، وإن كل عادة اجتماعية تكتسب مع الوقت صفات ملزمة يُضيِّق بها الناس على أنفسهم، فالزواج مثلاً أصبح وسيلة لتبذير المال وإبراز لمكانة اجتماعية في غير صورة حقيقية بعد أن كان الزواج هو وسيلة لحفظ المال والنفس وذلك لأن العادة الاجتماعية التي قيّدنا بها أنفسنا قد حكّمناها بنا، وهذا رمضان يكتسب بعضاً من تلك العادات السيئة نتيجة اعتقادنا بأمور خاطئة، فأصبحنا نرى رمضان على أنه شهر جوع وعطش فاكتسبنا عادة تبذير الطعام، وعلى أن رمضان شهر تعب وانضباط صارم ملزم فاكتسبنا عادة إقامة الحفلات الرمضانية والمسلسلات الماجنة بقصد الترفيه، وغيرها من العادات السيئة.

  

ويبقى الخير ماثلاً في هذه الأمة إن شاء الله حتى يرث الله الأرض ومن عليهاوهنا يقع على عاتق الدعاة والعلماء تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عند الناس ليتسنى لهم تصحيح تلك العادات التي أصبحت وكأنها ملازمة لشهر رمضان، فرمضان ليس شهر جوع وعطش وإنما شهر تربية للنفس ورفع للروحانيات وإن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتقليل تلك الصفات الدونية والتي يعد الطعام والشراب من أشهرها، فيغدو رمضان في أذهان الناس مدرسة روحية، ولك أن تصحح باقي المفاهيم على تلك الشاكلة.

إن شهر رمضان هو شهر عظيم بجميع حيثياته، فهو مُعين على الالتزام بباقي أركان الدين من تعميقٍ لمعنى الشهادتين والتزام بأداء الصلاة والقيام بركن الصوم ومدعاة لتطهير المال بالزكاة والصدقة، وإنّ من لم يعي معاني هذا الشهر الفضيل لهو محروم من خير كثير، فلنجعل رمضان تطبيقاً لمدرسة روحية ولا نجعله عادة اجتماعية.

ومع كل ذلك، لا بد لنا أن ننظر للجانب المشرق من العادات التي سيطرت على مجتمعاتنا، فما زالت عادة الولائم ومساعدة الفقراء والوقوف بجانبهم واستقبال رمضان بالزينة وغيرها من العادات الإيجابية والتي يجب أن نتوافق معها وندعمها، ويبقى الخير ماثلاً في هذه الأمة إن شاء الله حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وحتى نكون أكثر واقعية، فإننا يجب علينا الانتباه بأن بعض هذه العادات السيئة المستفحلة بنا قد تكون من صنيعة أعداء هذا الدين، ولا نؤمن بنظرية المؤامرة مطلقاً ولكن هناك خططاً شيطانية تمارس في العلن لجعل هذا الشهر دون فحواه المقصود، فالتلفاز وما يبثه من سموم لهو خير دليل على هذه الصنيعة.

 

وإننا كمسلمون علينا أن نكون حكماء أنفسنا فلا نلقي أيدينا بما فيه تهلكتنا ولنبتعد عن كل ما يضرنا ويسيء لحرمة هذا الشهر العظيم، ولنلتفت إلى ما فيه خير فنحن نقرر ممارسة هذه العادات من عدمها وليس عدونا بالدرجة الأولى، وفي النهاية فإن شهر رمضان هو أيام معدودات كما وصفه الله في محكم التنزيل، وهو كنز لمن عرف كنهه، فمن الحماقة أن تدخل كهفاً مليئاً بالجواهر وتخرج منه بقليل من الزمرد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.