شعار قسم مدونات

في جوف الطائرة العسكرية بوفاريك.. المُجَنَّد باسم

BLOGS طائرة بوفريك

ها هو بـاسـم بين أفراد أسرته، ضاحكا مبتهجا، الغبطة تملأ عينيه وقلبَه الطاهر الرّقيق، كانت ليلته مع إخوانه ووالديه مرتعا للزّهو والانشراح، وبين الحين والحين، كان يقطع عليهم الكلام، ليستأذن فيدخل المطبخ، يأخذ له قطعة أو قطعتين من حلوى لبراج، المصنوعة بأنامل يدي والدته الكريمتين، بمناسبة حلول فصل الربيع، كان يأكل ويعلق ضاحكا: في الثكنة لا وجود لحلوى لبراج، فدعوني آخذ حصتي كاملة، سألتَهِم ما يكفيني لمؤونة الربيع كله!

 

في الغد استيقظ باكرا، تناول حقيبته التي كان قد أعدّها منذ البارحة، أَكَبَّ على رأس والده الثمانيني يقبله، تناوله الشّيخ بالأحضان، ضمَّه وشمَّه، إنّه أصغر أبنائه، وللمازوزي معزّته! سار برفقة الوالدة الحنون، ذات السّبعين خريفا، وفي نهاية سور الحديقة، احتضنته بشدّة، لم تقاوم الدّموع في عينيها، ربَّتَ على كتفها بحنان: أمّي الحبيبة، أستودعك الله، أراكم جميعا بخير. انفلت من حضنها بصُعوبة، بقيتْ مشدوهة في المكان، تتابع خطواته المُتكسِّرة، كَتكسُّرِ الأشواق في الفؤاد، ترنو إلى خياله الغالي حتىّ اختفى عن ناظريها، استدارتْ عائدة تتمْتمُ بالدّعوات. تُرى ما خبَّأت لكِ الأقدارُ يا أمّ بـاسـم؟

 

ساد الوجوم للحظات، لترتفع الأصواتُ بالصّراخ، فالخبر مفجع، والصّدمة حادة، إنّها النهاية!  امتزج البكاءُ بالأنين، والشّهادة بالتّكبير، إنَّها لحظاتُ الحَسْم، ويا لَها من لحظات مُفزِعة مُرعِبة!

ها هم في المطار، شباب في عمر الزّهور، تملأهم الحيويّة والنّشاط، الابتسامة لا تفارق الشّفاه، وضحكاتُهم تُغْرِقُ المكان، تصدح عاليا، فترد عليها كل أصقاع الأمِّ الرؤوم الجزائر، برّا وبحرا وجوّا: أن بارككم الرحمن يا أحفاد عبد القادر وابن باديس، وللّا فاطمة نسومر وبوبغلة، والعربي بن لمهيدي وزيغود يوسف.. فالأبطال لا ينسُلون إلا أبطالا، وعلى رأي المثل: هذه الأشبال من تلك الأسود!
 
ها هم في المطار، جميعهم المُجـنَّد بـاسـم، وإن تنوَّعت ألوانهم وأشكالهم، بل وإن تباينت الأماكن التي قدموا منها، على اختلاف ربوع أرض الوطن. تراهم، تحسبهم مختلفين، لكنَّهم على قلب رجل واحد، تسكنهم ويهيمون بها، محبوبتهم الفاتنة، سيِّدة الغيد، وسلطانة الحسان: الجزائر! تقدّموا لصُعود الطائرة، كانوا في صف واحد، لم ينسَوا أخذ صوّر للذكرى، أُرْسِلَتْ إلى الأحبَّة، وكل الجزائر أحبّة، بقيت شاهدا وعنوانا! تقدّموا من حتوفِهم، دخلوا جوفَها، لطالما برقتْ آمالُهم في غد مشرق، وحياة كريمة، كيوم اختاروا خدمة الوطن، والذّود عن حياضه، لم تكسرْهم معاناة ولا قسْوة تدريب، لمْ تثنِ عزائمَهم غربة في الصّحراء، ولا خطر العصابات المسلحة فيها، لا، ما فتَّ ذاك في عضُدهم، وما صدَّهم عن التّقدم للخلود.

 

دخلوا جوفَها، وأُوصِدت الأبوابُ، وأَعلَنت الطائرةُ عبر المكبّر بداية الرّحلة، وحلّقت نحو المجهول.
دخلوا جوفها ويا ليتهم ما دخلوه! وأُوصِدَت الأبوابُ على آمالهم الجميلة، وأحلامهم المُرَفْرِفة، على قلوبهم المغرّدة، بالحب والابتسام، وأعلنت الطائرة بداية الرّحلة إلى عالم الاحتراق والأشلاء، وحلقت بهم نحو الشهادة والخلود.
 
لمْ يطل مكثهم بها، فها هو مكبّر الصّوت يحمل إليهم نعيَهم، يخبرهم بالحقيقة، وما جدوى السّتر والإخفاء الآن، نادى قائد الطائرة: لا وقت للرسميّات! واعذروني أن أنقل إليكم هذا الخبر، فقد أفلت منّا زمامُ قيادة الطائرة، إنّنا نحلق الآن فوق منطقة عمرانية، أحاول تفادي مزيدا من الأرواح، لذا سنسقط في منطقة خالية من السّكان.

 

أبنائي الأعزاء، لا تنسوا الشهادة..!
ساد الوجوم للحظات، لترتفع الأصواتُ بالصّراخ، فالخبر مفجع، والصّدمة حادة، إنّها النهاية! تعالت الأصوات واختلطت، امتزج البكاءُ بالأنين، والشّهادة بالتّكبير، إنَّها لحظاتُ الحَسْم، ويا لَها من لحظات مُفزِعة مُرعِبة!

  
هي الأقدار
تنأى بنا بعيدا
عن الصّحْبِ والأهلِ والولد
ترسُمنا على صفحاتِ الذِّكرى
أيّتها الأقدار
هلمِّي فاغْسلي أوْصالي
بماء وثلج وبَرَد
نقِّني من ذنوبي وخطاياي
واتركيني
كثوب أبيض نـُقِّيَّ من دَنَس
أيتها الأقدار
خذي بيدي
إلى ساحة المجْد والخلود

 
انزوى مُتَعَـثِّـرًا قرْب الكَفَن، شيخ ثمانيني، وعلى صفحاتِ الشَّيْب خطَّـتْ دموعُه اسمَ المُجـنَّد بـاسـم، أمّا هي، ذات السّبعين خريفا، فظلّتْ تزورُ القبْرَ لا تفارقه إلاّ لِمَاما، على أمل ألاّ يطول الفراقُ، لعلَّ في اجتماع الشّمْل غدا بعض عزاء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.