شعار قسم مدونات

قيامة أرطغرل من الخَيْمة إلى التّاريخ والقيامة

مدونات - مسلسل تركي أرطغرل

الإعلام الناجح شقيق الفن الناجح، والإعلام الفاسد شقيق الفن الفاسد، ولهذا فإن الآلة الإعلامية يمكنُها أن تصنعَ الرّداءة، ويُمكنها أن تصنع عملا فنيّاً خالداً سامياً، في هذا السياق ظهر المسلسل التركي "قيامة أرطغرل" الذي يحكي قصة الإمبراطورية المترامية الأطراف، وقد ظهر هذا المسلسل في سياق إعلامي يعرفُ خواءً فنّياً، بل تسوده الأعمال الفاسدة التي تنال من الأمة الإسلامية، وتشوّهُ تاريخها، بل تستنسخُ نماذج من الأعمال الفنيّة الغربية وتعيد إنتاجها على شكل أعمال رديئة، فأتى هذا المسلسل ليردّ الاعتبار للمشاهد المُسلم أين ما كان.

لن أُحَاكم تفاصيل هذا المسلسل للمصادر التاريخية، فقد سال مداد كثير في هذا الأمر، بل سأتحدثُ عنه من زاوية أخرى، زاوية القيم النبيلة التي يزرعها في المُشاهد، تلكُ القيم التي غابت عن الإعلام العربي الإسلامي ردحاً من الزمن! كما أنني أجدُ نفسي مُندهشا من ضخامة هذا العمل الدرامي، ومن زوايا النظر المتعدّدة التي يجبُ أنْ يُشاهَد منها، فالرؤية واسعة، والرّسالة واضحة، والفكرة أصيلة، والتقنية مُستثمَرة فيمَ ينفعُ، لا فيمَ لا نفع فيه.

 

الخيمة
يقدّم المسلسل نموذج الشخصية التاريخية التي تتسمُ بصفات العدل والإخلاص، وحماية المظلومين، ولكي تكون الرسالة التاريخية واضحة يختار المخرج كلمات الحوار بعناية فائقة

تنطلقُ أحداث المسلسل من خيمة زعيم القبيلة سليمان شاه، الخيمةُ المدرسة الأولى، حيث يتعلمُ الأبناء مبادئ الحياة، ويستلهمون القيم المثلى، ويتجرّعون مرارة الصبر على الشدائد. يُقدّمُ مخرج المسلسل الخيمة باعتبارها المكان التربوي الصحيح لتهذيب الأخلاق، وتخليق الحياة العامة للقبيلة، ففي الخيمة تُعقدُ اجتماعات أسياد القبيلة، وفيها تُتّخذُ القرارات المصيرية، وفيها يُعبرُ كل شخصٍ عن رأيهِ. إنّ خيمة سيد القبيلة بغض النظر عن اعتبارها فضاء لتصوير أحداث المسلسل، هي فضاء لمِمارسة حرية التعبير ولتواصل السيد مع باقي الأسياد. لماذا الخيمة؟

 

في الخيمة يفتتح سيد القبيلة الاجتماع بالبسملة، ويُعبر عن إيمانه بأسماء الله الحسنى وصفاته، في مشهدٍٍ درامي يُذكّرُ المشاهدين بمنبع المجتمع المسلم وصفاء عقيدته، ويذكره أيضا أن الإنسان العادل هو الذي تتجلّى في أفعاله ومواقفه صفات الله تعالى التي تنازل عنها للبشر. إنّ المشهد الرّوحي الذي تقدّمهُ الخيمة في مسلسل قيامة أرطغرل، يكادُ ينعدمُ في خيمة الإنسان المسلم المعاصر، أو لِنقل منزلهُ بلغة العصر. فالحوار والتواصل والتربية على العدل أفعال لا يمارسها ربُّ الأسرة مع أفراد عائلته، والنتيجة أنّ جيلاً بأكمله يعاني من ويلات الاستبدادي الأسري، والرأي الواحد، والسيطرة الأبوية المُطلقة، إنّ قيامة أرطغرل دعوة صريحة لكي نُربّي أبناءنا على القيم المثلى.

 

التاريخ والقيامة

يُجسّدُ المسلسل شخصية أرطغرل، والد عثمان مؤسس الدولة العثمانية، وبالتالي فالمسلسل يستمدُُّ أحداثهُ من شخصية تاريخية، ويقدّمها في مشاهد ممزوجة بما هو تاريخي حقيقي، وبما هو درامي من صنع الإخراج؛ وبما أنّ أرطغرل غازي شخصية لم يُكتب عنها الكثير في كتب التاريخ، فقد كان من الطّبيعي أن يضيف المخرج أحداثا تُضفي على المسلسل أثارةً وتشويقاً.
 
يأتي المسلسل في سياق تاريخي مُضطرب شبيه بالسياق التاريخي للعالم الإسلامي في عهد السلاجقة الذي كان عالما ممزّقاً، تتكالب عليه قوى العالم من كل جهة، البيزنطيون من جهة الغرب، والمغول من جهة آسيا، هذا إضافة للثورات الداخلية والعصيان الذي كانت تعلنه بعض القبائل في وجه السلطان السلجوقي. وهذا السياق التاريخي شبيه بعالمنا اليوم، فجميع أطراف العالم الإسلامي متناحرة مع بعضها بعض، وغارقة في ملذات الإعلام الفاسد، والسياسات الفاشلة، والقضاء الظالم، والهزائم الحضارية، والانبطاح أمام القوى الغربية، والنّعرات الدّاخلية، حتى أصبح الإنسان العربي المسلم تائها بلا بوصلة، لا يجد من ينْصُرهُ أو من ينتصرُ لهُ.

 

undefined

 

يقدّم المسلسل نموذج الشخصية التاريخية التي تتسمُ بصفات العدل والإخلاص، وحماية المظلومين، ولكي تكون الرسالة التاريخية واضحة يختار المخرج كلمات الحوار بعناية فائقة، فنجدُ أرطغرل الممثل يقول متحدّثا عن ضعف المظلومين وانتظار من يخلّصهم من الظالم (العوامُّ يبغضون الظالم، لكنهم يركنون إليه في انتظار المُخلّص)، إذا تأملنا هذا القول؛ قليلاً، نجدهُ ينطبقُ على الواقع الإسلامي المعاصر المحكوم بالاستبداد، حيث يرزحُ الإنسان تحت مظلة الظلم، غير قادر على المجابهة، فتجدهُ مأزوما وقد ركنَ منتظراً من يُخلّصهُ!
 
قدْ يقول قائل، إنّ عالمنا اليوم يواجه مؤامرة عالمية، وقدْ نسَلّمُ له بهذا القول، لكن، أليس في هذا العالمم الإسلامي من يقدر على المواجهة؟ إنّ هذا السؤال محرج قليلا، بل كثيراً، بل هو سؤال ساخر أحيانا، غير أنّ السياق التاريخي للمسلسل يؤكد ضرورة مواجهة هذه المؤامرة، حيث جاء على لسان أرطغرل الممثّل -ليست مهمة القيادة أن تُحدّثني عن المؤامرات، بل أن تنتصرَ عليها- في هذا القول إحراجٌ لمن يختفي وراء فكرة المؤامرة، ألم يواجه أرطغرل الحقيقي المؤامرات في ذلك الوقت؟ بلى، لكنه لم يختفِ وراءها، بل واجهها، فتركَ إمبراطورية خلّصت العالم من الظلم.
 
العالم الإسلامي دائما يواجه المؤامرة، لأن قوتهُ في وحدتهِ، وليست في تفرقته، أو في خلافاته، واستعادة أمجاد السلف ليست صعبة على الخَلف، وهذا ما نجحَ فيه النموذج التركي المعاصر على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنّية، ولعلَّ ضخامة المسلسل ونجاحه خير دليل.

 

هل يحتاج العالم الإسلامي اليومَ قِيامةً جديدةً؟

 

undefined

 

قبل الجواب عن هذا السؤال العريض، أتساءلُ مرةً أخرى، ما القيامة؟ ولماذا سيحتاج العالم الإسلامي قيامة جديدةً؟ إنّ الجواب عن هذه الأسئلة، تكمنُ في كلمة قيامة نفسها، فمخرجُ المسلسل لم يقع اختيارهُ على كلمة (قيامة) عبثاً، بل كان مبنيا على أسس دينية وتاريخية وثقافية ولغوية. إنّ كلمة (قيامة) ليست مجرد وحدة مُعجمية ذات دلالة منعزلة، بل هي مصطلح بكل مقاييس الاصطلاح، فالقيامة تحملُ معانٍ مختلفة، دينية وثقافية واجتماعية..
 
وتصريفها اللغوي يدعونا للوقوف عليه، فمن القيامة نحصل على "قام" وهو ضدّ القعود، ونحصل على استقامَ بمعنى استوى واعتدل، جاء في لسان العرب "استقام الإنسان" أي اعتدل سلوكه وأصبحت أخلاقه فاضلة. وفضلا عن هذا فإن "القيامة" تحمل معانٍ دينية، فهذه الكلمة اسم لسورة قرآنية، وتعني كلمة قيامة في الإسلام يوم بعث الخلائق للحساب، أي انبعاثهم من الموت، فالقيامة بعثٌ جديدٌ بعد مماتٍ، وفي الحديث النبوي (الشاهدُ يوم عرفَة، والموعود يوم القيامة) وعيد القيامة يحتفل به المسيحيون، وهناك كنيسة سُمّيت بالقيامة في بيت المقدس..، ومن معاني كلمة قيامة، نجد المعاني الدّالة على الانفعال والغضب، منها، (قامت قيامتهُ) أي كان في حالة غضب شديد، ومنها أيضا "أقامَ الدّنيا ولم يقعدها" كِنايةً عن الغضب، وقيّمُ الأمر، أي مُقيمهُ، وتحملُ كلمة قيامة معنى الانتهاء، جاء في بيت شعر: إذا ما أقامَ العلمُ رايةَ أمّةٍ.. فليسَ لها حتّى القيامةِ ناكسُ. وفي الحديث النبوي: "إذا قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسيلةٌ، فليغرسها".
 
إنّ هذه المعاني، القعود، والبعث من جديد، والاستقامة، والاعتدال، والانفعال، والغضب، والثبوت، والاستواء، والإقامة التي تحملها كلمة (قيامة) كفيلة بأن تجيب عن السؤال الذي طرحناه سابقاً، فالعالم الإسلامي اليوم قاعد وفي سبات عميق يحتاج نهوضا وقياما جديدين، إنّ أخلاق الإنسان في العالم الإسلامي ليست على خير، تحتاج استقامة واعتدالا، إن الشعوب الإسلامية اليوم مستضعفة للحد الذي يجعلها تحتاج من يستنهض همتها، ويثير انفعالها لتنبعث قوتها من جديد، لهذه المعاني وغيرها يحتاج العالم الإسلامي اليوم قيامة جديدة.
 
والقيامة كما يجسّدها المسلسل، ليست مطلبا سهلا سائغا شرابهُ، بل يجب على من يتغَيّاها أن يكون حاملا همَّ أمتهِ، مستشعرا ضخامة المهمة، ومُؤمنا حقا، ومُخلصا في العمل، وعادلا في القيادة، فكما جاء على لسان أرطغرل الممَثّل "رأسٌ بلاَ هَمٍّ يَلْزَمُهُ القبرُ".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.