شعار قسم مدونات

المواطن الصحفي.. كيف هزم إمبراطورية العسكر الإعلامية؟

مدونات - الصحافة

بعد أيام قليلة من فض ميدان رابعة العدوية، ومذبحة رمسيس في القاهرة ومذبحة سموحة في الإسكندرية، انفض المولد الإعلامي وفرت فرق وسائل الإعلام العربية والعالمية التي وصفت الثالث من يوليو بالانقلاب العسكري، وشاهدت بعيني فريق أحد القنوات التلفزيونية العربية يسلم معداته لعدد من النشطاء الإعلاميين المرافقين له وينطلق للمطار لمغادرة البلاد، في هذه اللحظة ولد في كل ربوع مصر المئات من المواطنين الصحفيين والنشطاء الصحفيين الذين تسلموا الراية من الفرق الإعلامية المحترفة وحبوا أولى خطواتهم في المجال الإعلامي وسط الألغام.

 
كنت شاهداً ومشاركاً في تلك الفترة، لم أكن أملك من الخبرة في مجال الصحافة التلفزيونية سوى 6 أشهر عملتها في أحد القنوات كمراسل تلفزيوني، والتي أُغلقت من قبل قوات الأمن ليلة الثالث من يوليو لتعود يوم الخامس من يوليو وقد غيرت توجهها لدعم الانقلاب العسكري لأستقيل منها على الفور، بالإضافة لعدة سنوات من الخبرة في صحافة الفيديو والصحافة الإلكترونية، وبضعة أشهر في الصحافة المطبوعة، ورغم هذه الخبرة المحدودة تمكنت بالتعاون مع عدد من الزملاء من تشكيل فريق كبير من النشطاء الإعلاميين، وتدشين عدة منصات إعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتواصل مع عدد من القنوات الإعلامية العربية والعالمية لتزويدهم ببث مباشر، وتقارير تلفزيونية ومتابعات إخبارية لحظة بلحظة للمظاهرات والمواجهات بين المتظاهرين وقوات أمن الانقلاب في مدينة الإسكندرية التي تمكنت بفضل جهود العشرات من النشطاء الإعلاميين من احتلال المشهد على كافة الشاشات العربية والعالمية، وحازت منصتنا على ثقة كل وسائل الإعلام وبتنا المصدر الرئيسي للأخبار والصور والتقارير.

 

رحم الله الزميل أحمد عاصم شهيد مذبحة الحرس الجمهوري. والحرية للزملاء محمود حسين، محمد مدني، معتز ودنان، والعشرات من الصحفيين والنشطاء الإعلاميين المعتقلين في سجون الانقلاب

هذه الثقة اُكتسبت بجهد و تضحية العشرات من الشباب الذين آمنوا بقوة وحجة الرسالة الإعلامية في دحر وتسجيل انتصارات متعددة على الانقلاب العسكري وإمبراطوريته الإعلامية، تلك التضحيات التي دعمتها وعي الجمهور الرافض للانقلاب بالدور الإعلامي الذي نقدمه، لازالت أذكر حرص الناس على حماية المصورين من قوات الأمن أثناء الاشتباكات، والحفاوة التي كنا نقابل بها في قرى الشهداء أثناء بث برنامج أحياء في الذاكرة على شاشة الجزيرة مباشر مصر.

 

أولى هذه الانتصارات: هي الحفاظ على البث المباشر للتظاهرات على مدار أكثر من عامين متتاليين في أكثر 15 محافظة مصرية، وتسجيل وفضح الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الجيش والشرطة بحق المتظاهرين في كل المحافظات المصرية، بل أن الكثير من هذه التسجيلات تم تصويرها من خلف خطوط قوات الأمن.

 

وثانيها: فضح المسرحيات الانتخابية التي حاول الانقلاب العسكري تصويرها للعالم أنها شرعة بديلة لشرعية ثورة يناير التي انقلب عليها في الثالث من يوليو، عبر نقل صور اللجان الخاوية المحاطة بجحافل الأمن، وبث التظاهرات الرافضة في استفتاء الدستور في يناير 2014، وانتخابات الرئاسة الأولى في مايو 2014 والتي احتل فيها اللقب الساخر من الجنرال المنقلب عناوين الصحف والقنوات الدولية، وتتبع النشطاء بكاميراتهم كل عبارة كتبت على حائط بالهاشتاج الشهير.

  

  

ثالثها: توثيق الشهداء والمعتقلين عبر برنامجي "أحياء في الذاكرة" و"ورهن الاعتقال" المذاع على قناة الجزيرة مباشر مصر، والذي كنت مشاركاً في تصويرها وبثها من داخل مصر، تلك البرامج التي احتلت أكثر البرامج مشاهدة والتي أثبتت المئات من حالات القتل والاعتقال في أكثر من 20 محافظة.

 

رابع تلك الانتصارات: النجاح في اقتحام وفضح العديد من الملفات بعيداً عن المتابعة اليومية للتظاهرات والاحتجاجات الشعبية، مثل فضح الفشل الاقتصادي للانقلاب العسكري، وانهيار البنية التحتية، ومعاناة المواطنين في كل محافظة ومدينة وقرية، ونقل صوت الشعب الواقع بين سندان البطش الأمني ومطرقة ارتفاع الأسعار.

 

ولكن تلك الانتصارات وغيرها لم تأت دون تضحية العشرات من هؤلاء الجنود المجهولين، منهم من قضى نحبه حاملا كاميرته في مواجهة رصاص الانقلاب، ومنهم من يقضى أجمل سنين عمره خلف قضبان زنازين الانقلاب، ومنهم من هاجر مطارد من أمن الانقلاب، ومنهم لا يزال يقاوم الانقلاب.

 

رحم الله الزميل أحمد عاصم شهيد مذبحة الحرس الجمهوري. والحرية للزملاء محمود حسين، محمد مدني، معتز ودنان، والعشرات من الصحفيين والنشطاء الإعلاميين المعتقلين في سجون الانقلاب، والحياة للزميل الصحفي والصديق حسام الوكيل المختفي قسرياً في أقبية الانقلاب منذ أكثر من 95 يوماً.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.