شعار قسم مدونات

متى يموت جحا!

مدونات - السيسي
إنه موسم بكل المقاييس، موسم الحديث إن صح التعبير. فالصمت أثناءه خيانة وبعدها جريمة، فإن كان مقياسك يتماشى مع صاحب السفينة فقد نجوت وإن لم يكن كذلك "لا سمح الله" فالغرق ولا غيره منتظر، وحتى لا نكون من أصحاب المقاييس الخاطئة قد نكمل الكتابة على هذا النحو، ونرجو أن يدرك القارئ المعنى من بطن الحديث، وأن يبقى الكلام خفيف وينتهي لطيف.
 

يُقال أن جحا في أحد نوادره قام بدعوة جيرانه ليطعمهم من لحم ثوره، فطلب منهم أن يجلسوا في صف منتظم، ثم مر عليهم وقال أن الشيخ لن يتمكن من هضم لحم الثور، والمريض سيزيد مرضه بسبب ثقله والدهون الموجودة به، والشاب يمكن أن ينتظر حتى يطعم الفقراء جميعهم ثم يأكل هو، وفى نهاية اليوم طلب من كل المدعوين الانصراف وقال ضاحكًا "جحا أولى بلحم ثوره". بالتأكيد عاد ضيوف جحا يومها غاضبين غير راضيين، وربما قد ينفعل الشاب بعض الشيء إلا أنه لا يقدر على فعل شيء، لأن جحا هو المالك الحالي لذلك الثور وغضبة لن يفيد، والجميع سيرحل حينها مقتنعين أن جحا في النهاية سيأكل ثوره وحيداً. أما ما حدث في مصر، يذكرنا بفعله جحا بضيوفه، وكأن الديموقراطية في مصر تحولت إلى ثور، ولكل ثور جحا يأكله، وهنيئاً لجحا ثوره ما دام يملكه.

 

تساءلت ربما يكون الخوف سبباً؟ ولكن للخائفين طرق عده في تفادي ما يخيفهم! ربما مصلحة مستقبلية؟ فحتى تلك كانت بعيدة كل البعد عن أيدي صغار الضيوف

بعد أن انقضى موسم الانتخابات مصحوبا "بالزغاريد" و بعد أن زفت الديموقراطية إلى عريسها المعلوم، وكطبيعة الضيوف منهم من رقص، وهنالك من اتخذ من أقصى القاعة مجلساً شابك ذراعيه وعلامات الضجر ترتسم على وجهه منتظر انقضاء تلك الليلة، أما الجديد وليس الغريب هو اهتمام أصحاب "العرس" بحضور الضيوف إجباراً، حتى أن أصحاب الأعراس الأخرى نظروا لعرسنا نظرة الاندهاش والتعجب من تلك الرغبة الشديدة في أن تظهر تلك الليلة كذلك -على الرغم من أنها في كثير من الأحيان قد تتم بدونهم – وما صاحبه من حشد للضيوف من كل حد وصوب، قادرا كان أم لم يكن، راغبا أم لم يكن، حتى ظهرت تلك الأحداث في مظهر الإجبار والتدخل في حرية الضيوف في النوم على "الجنب اللي يريحهم".

 
في الحقيقة بعض الحضور كان يدهشني بل كان يدفعني إلى تدارك فهمي القديم للحقائق، وأدرك أن هنالك بعض الأوقات قد تتلون المفاهيم، ويظهر الميزان متساوي في حين أنه مختل، وأصبحت نظرية قدرة الجميع على الرؤية من الغربال سخرية قاسية. فالمستفيد من تلك الزيجة معلوم أهدافه واضحة، إنما من ليس لديه دافع أو مصلحة ما يجعله يقف في الصفوف الأمامية مشارك في الغناء تارة وفي الرقص تارة أخرى؟

 
تساءلت ربما يكون الخوف سبباً؟ ولكن للخائفين طرق عده في تفادي ما يخيفهم! ربما مصلحة مستقبلية؟ فحتى تلك كانت بعيدة كل البعد عن أيدي صغار الضيوف، رغم كل هذا تجد أنهم أكثر الحضور حرصاً على الظهور وإبداء سعادتهم الغامرة، ربما قد يقوم أحدهم بالخروج عن المألوف من أجل جذب انتباه أصحاب العرس، وقد يبدأ في اتهام باقي الحضور بأنهم من أعداء الأفراح ومخربيها. والأدهى والأكثر غرابة أن هؤلاء المساكين المغلوبين على أمرهم، قد يكونوا أكثر المتضررين وأكثر الناس حاجة لبعض من التغيير، ولكن تجد العكس، كأنما تحولت رغبتهم من التغيير إلى البقاء في الشقاء والتلذذ في وصف معاناتهم الدائمة، على الرغم من إدراكهم أن بقاء الوضع كما هو يعني بقائهم أيضا كما هم.

   undefined

 

في أحداث رواية الأديب الكبير توفيق الحكيم " يوميات نائب في الأرياف" يقف النائب متعجبًا مما يحدث في تلك القرية أثناء مباشرته التحقيقات لكشف لغز جريمة قتل محيرة. ثم وصف مشهد إجبار أعيان البلد للتصويت هم وأهلهم باعتقال الأبناء حتى تنتهي الانتخابات كما يريدوها، وحين تسأل النائب عن حرية الاختيار، أخبره المأمور بأن صناديق الانتخابات يلقون بها في "الترعة" ويضعوا صناديقهم المعدة مسبقاً مكانها. مما جعله يتساءل ساخر "كيف يراد منّا أن نعرف متهماً في قضية غامضة كهذه القضية، وكلهم من المأمور والعمدة والبوليس ملبّخون من الرأس حتى القدم في تزييف الانتخابات!".
    
في النهاية سيبقي الوضع كما هو عليه طالما، بقي الثور ملكاً لجحا وظل يكرر فعلته كل مرة، وهكذا سنظل في تلك الدائرة المغلقة بلا أمل في التحرر، والحل حينها سيكون كما قال جحا من قبل في إحدى نوادره الأخرى أما أموت بموته أو بموت الوالي أو موت الثور.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.