شعار قسم مدونات

العبرةُ بالأعمالِ لا بالأعمار

blogs رجل كبير

أُشارفُ ربيعي التاسع والعشرين بعد أيام قليلة، أودعُ عندَ منتصف ليلة الحادي والثلاثين من مارس عامِي الثامن والعِشرينَ وقدْ أيقنتُ أنها ليسَت مسألة عمرٍ ولا مسألة سنواتٍ وشهورٍ تمضي، ليستْ مسألةَ عدادٍ يحتسبُ أرقاماً لا تتوقفُ ولوْ لهُنيهة إنما هيَ ماضيةٌ قدماً غير آبهةٍ بلحظاتٍ وددنا لو طال مقامها، ليستْ مسألةَ انتقالٍ من عامٍ لآخر وَمن حالٍ لغيره بقدرِ ما هي مُحصلةُ ما تراكمَ من أعمالٍ وتجاربَ تُضفي على الحياة طعماً وتَجعلُ لكلِ يومٍ رؤيتهُ وهدفهُ، فلا نلتفتُ لا للعُمر ولا لأي سنةٍ نحنُ مودعوها وإنما ننشغلُ بمرامي طموحنا ومقاصد مساعينا. وإنْ تعاقبتْ حياتنا بتعاقبِ الليل والنهار تبقى رهينةً بما أضفناهُ لها من جدٍ وبذلٍ وسخاء يُنتفع به في الدنيا ويُحسب لنا في الآخرة..

لطالما سمعتُ تلك العبارة التي سمعتموها مراراً -عشْ حياتك واغتنم شبابكْ-، وحتماً أن ما يقصدُه قائلوها في معظمِ الأحيانٍ لا يصبُ في مصلحةِ ما بعدَ شبابكَ، بل المقصود تمردٌ على مسارك بقيمهِ ومبادئه، استنزافٌ لوقتك ومجهودك وصحتك لاحقاً، إرهاقٌ لعقليتكَ بأنْ تجعلها طيعةً لمنْ أطاعوا أهوائهم العابرة فصاروا مُدمنينَ على ما يفتكُ الجسدَ والروحَ. 

ألا تحلو فترةُ الشبابِ إذا ما أُخذت بقدرٍ من الاعتدال والتبصر وتروٍ في سلكِ الصحيح من طرقها؟ ألا تتحققُ لذةُ الشبابِ إذا ما جُعلَ لبنَةً لبنيانِ المُستقبلِ يتأتى مِن خلالها رغدُ العيشِ والرضى عن الذات في الكبر؟ الإجابةُ عن إشكالياتٍ كهذه تتطلبُ تبصراً وأخذاً بالعبرِ، لا تجبراً بعنفوانِ الشبابِ وقوته، ومِنَ العِبَر ما يُدهشُ ويحثُ على التمسكِ بما يؤول للصالح من الخواتيم.. ولكنَ أكثرَنا لا يعتبرُ.

مكاشفةُ الأهل ومُصارحتهم، ولداً كنتَ أو بنتاً كنتِ، هما السبيلُ للانعتاقِ من براثن رفقاء السوء والنجاةِ بالروحِ والنفس لما هما أهلٌ لهُ من صفاءٍ ونقاءٍ

اضطررتُ ذاتَ عصرِ في سنتي الثالثة من المستوى الإعدادي إلى مُجالسة مَنْ هُم في عِدادِ المُشاغبينِ والمُتمردينَ مُدرجونَ، وأتذكرُ أن اضطراري لم يكُن لشيءٍ سوى لأن سوء أحوال الجو صادفَ حصةً تغيبَ فيها أستاذُ التربية الإسلامية فلجأتُ مُكرهاً لسقيفة إحدى المُدرجات المُجاورةِ لقاعة الدرس، وقدْ كانوا أربعةً، لا زالتْ أسماءهُم تَحضُرني. ما لبثتُ أن اتخذتُ ركناً من ممرٍ طويلٍ في الطابق الأول من المدرجِ حتى انزوى الأربعةُ لذات الرُكنِ وقدْ أصروا على إفساد راحتي، كان زعيمُهم طويلَ القامة، أصهباً، لهُ عينانِ حادتان ذو خامةِ صوتٍ شديدةِ الخشونة وقدْ حرصَ على أنْ يجرَ الثلاثة إلى التدخينِ ونوعٍ من المُخدرات الخفيفة المعروفة محلياً ب-المعجون- فتأتى لهُ مطمحهُ وسادَ بقوةِ إدمانهمُ وامتلاكهِ هوَ لأدوات تغذية إدمانهم. وأتذكرُ جيداً كيفَ باغتني الأربعةُ بمعاتبتي كونِي لا أفقهُ في مُتعة الحياة شيئاً وأن كُل همي دراستي وتحصيلي، وأنَهُ ما خابَ منْ تذوقَ ذلك -المعجون- وما شقي من تدلتْ بينَ شفتيهِ تلكَ السيجارةُ التي تتحققُ معها ذروةُ النشوة، وأنَ الرجولةَ تدخينٌ وتعاطٍ واستمتاعٌ ولا مبالاةٌ بالآخرين، وأنَ الخجَلَ والالتزامَ سماتُ الشخصية الضعيفة، وأنَنا أحقُ من غيرنا بالغوصِ في بحر الآثام…

كانتْ حينها، مثلما لا زالتْ، والدَتي يحفظْها الله بمثابةِ صديقتي، أسردُ لها تفاصيلً يومي وأقصُ عليها أي شيءٍ وكل شيءٍ حتى ما يدخُل في خانة الطابوهات. ولولاَ تلكَ الأحاديثُ المسائيةُ التي تؤثثُ طاولةَ العشاء أو كنبات بهونا لصارَ الأربعةُ خمسةً ولكُنتُ قد التحقتُ بركبهم دونَ أدنى شكٍ. 

مكاشفةُ الأهل ومُصارحتهم، ولداً كنتَ أو بنتاً كنتِ، هما السبيلُ للانعتاقِ من براثن رفقاء السوء والنجاةِ بالروحِ والنفس لما هما أهلٌ لهُ من صفاءٍ ونقاءٍ، فكَمْ من الأجيالِ زاغتْ عن غدٍ أجملَ بسبب صعوبة مراس الأهل وانشغالِهم عن همومِ وأحزان الأبناء، وكمْ منْ فتاةٍ أهينَتْ في كرامتها وكبرياءها وكتمتْ ما أصابها لأنَها لم تجدِ الصديقَ ولا الحبيبَ في الأبِ ولأنَ الأبَ نادراً ما يلتفتُ لابنتهِ كأنثى تخلدُ في نهايةِ يومٍ مرهِقٍ إلى ذراعَي الحبيب والصديق في أبيهاَ.

undefined

لولاَ الأهلُ لما عبُرنا جسرَ المراهقة إلى الشباب بثقةٍ وأمان، ولولا انصهار الصرامة مع الحب وسيطرةُ اللين على الشدة لما صارتْ شخصياتُنا متأقلمَةَ مع تقلباتِ منْ يعبرونَ دربنا فتبقى أصيلةً شامخةً لا يُغريها مُتربصٌ ولا يُضللها حاسدٌ. لا تُقاسُ الأعمارُ بالسنواتِ بقدر ما تُقاسُ بعددِ القلوبِ التي أسعدتَها وجميلِ الكلمات التي شاركْتها وحُسنِ التعاملِ الذي أبديتهُ وإخلاص العمل الذي أبليتهُ، ولوْ كانَ طولُ السنوات مُحدداً لبصمتِنا في الحياة لما كانت للمبادرة قيمتها ولا لليومِ تحديه الخاص ولما كان للكلمةِ الطيبةِ وجودٌ وهيَ جُعلتْ في الأصلِ بلسماً لحظياً لا يقبلُ التأجيلِ ولا التردد. 

والجميلُ في الحكمَة الإلهية من استخلافنا في الأرضِ أن الله سُبحانه ربطَ كلَ عملٍ بالجزاء دونَ أنْ يتحددَ ذلكَ بزمنٍ معينٍ أو مقدار محدودٍ من الوقتِ، قدْ يُحدثِ مَنْ قُدر لهُ أن يعيشَ نصفَ ما يعيشهُ غيره الأثر الحميد في قلوب العباد ومصالحِ البلاد وقدْ لا يتركُ منْ يعيشُ ثمانَ أو تسعَ عقودٍ أيَ بصمةٍ تشفعُ له من بعدِ التحاقه بالرفيق الأعلى..

عاشَ خيرُ خلقِ الله عليه الصلاةُ والسلام 63 عاماً، ودامتْ فترةُ رسالته 23 ربيعاً كانتْ كفيلةً برقي الإنسانية ورفعتها، ثلاث وعشرونَ سنةً غيرتْ مجرى التاريخِ، طهرتِ القلوب والأرواح، صانت الأعراض والجوارحَ، هذبتِ النفوس ونظمت المعاملات، 23 سنة بدأها المصطفى بوحيٍ من ربه ليهتدي بفضله اليوم ما يقاربُ المليارينِ عبر أرجاء البسيطة لرسالة الإسلامِ، ولا زالتِ قلوبُ الخلقِ تقعُ في حب رسالة دينٍ ودنيا.. العبرةُ بالأعمال لا بالأعمار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.