شعار قسم مدونات

الشهرة في المغرب.. بين الليلة وضحاها

مدونات - يونس البولماني

أطلق العنان لخيالك بعض الشيء، أنت الآن مطرب محلي، شاب في الثلاثينيات من عمره، صوته يستجيب للمعايير الدنيا لما يمكن سماعه، تعتاش وتكسب قوت يومك من تنشيط الأفراح وحفلات الزفاف في مدينتك وربما بعض القرى المجاورة، شهرتك لا تتجاوز أعتاب المنطقة لكنها تكفيك لتعيش وأسرتك الصغيرة. في أحد الأيام تعود من إحدى حفلات الزفاف منهكا متعبا كما هو الحال معظم الوقت، تغمض عينيك في رضى وقناعة برزقك وقدرك. لتستيقظ صباح اليوم الموالي على أخبار انتشار مقطع لأغنيتك المميزة على مواقع التواصل الاجتماعي، تواصل حياتك دون أن تعطي للأمر أهمية فهو في نظرك مجرد إعجاب سيختفي أسرع من ظهوره وقد لا يتجاوز بدوره أبناء المدن المجاورة ذات العادات والأذواق المتقاربة.

 

تنام مجددا لتستيقظ اليوم التالي على رنين هاتفك الذي لم تعتد سماعه مبكرا، هم أصدقائك الذين ظلوا يتابعون مقطعك ينتشر كما تنتشر النار في الهشيم. فجأة تجد أغنيتك ذات الأعوام الأربعة، التي لم ينتبه لها قبلا سوى شباب الحي يرددونها في أحضان خيام الأفراح، تجدها على لسان كل مواطن في البلد، يردودنها كما ألفتها ولحنتها بل وكما اعتدت تأديتها. فجأة تصبح محط الاهتمام، وهاني الإذاعات والبرامج تتهاتف لاستضافتك، والاستوديوهات تتسابق علها تنال شرف تسجيل أغنيتك بالحديث من عتاد وآلة، وتتصدر مقاطعك وأغانيك قوائم الأكثر مشاهدة على مواقع التواصل الاجتماعي. لابد أنك عزيزي القارئ قد اكتفيت وترغم أن تستيقظ من هذا الحلم الجميل، فقد بلغت تلك المرحلة التي تدرك فيها أنك تحلم حتى قبل أن تستيقظ. دعني أخبرك شيئا.. لقد حصل ما أخبرتك به فعلا.

 

هي قصة يونس البولماني، الشاب المغربي المنحدر من مدينة أرفود بواحات تافيلالت في بوابة الصحراء. عاش الحلم الذي قرأت تفاصيله في السطور أعلاه بالحرف والفاصلة. حتى أصبح اسمه وصورته وصوته ينبعث قبالة عينيك وعلى مسامعك طوال اليوم دونما استئذان. لينقسم الشارع المغربي بسببه فيطفوا على السطح نقاش ربما لا يكون يونس جوهره، لكنه كان النقطة التي أفاضت الكأس، كأس الشهرة التي صارت سهلة المنال.

 

البساطة والجزاء الرباني
البولماني ضرب بكلمات أغنيته وترا حساسا يلقى النقر عليه صدى واسعا في صفوف جيل نخرت قلوبه علاقات الحب والغرام الشبابية

يرى الطرف الأول من الرأي العام المغربي، والذي أستقي مواقفه من شبكات التواصل كونها الفضاء المفتوح الأول للتعبير بكل حرية أن البساطة التي ظهر عليها مقطع الفيديو موضوع الزوبعة كانت السبب في انتشاره. فمع ازدهار فن الراب المغربي ودخول العنصر النسوي على الساحة بأغان وفيديوكليبات تخلق جدلا لكونها في معظم الأحيان تتجاوز الخط الأحمر الذي ترسمه عادات المجتمع وتقاليده، كان لابد من ردة فعل مماثلة تجسد الشوق الكبير للبساطة والعفوية، حيث يرى هؤلاء أن رؤية شباب في العشرينات يرددون مع المطرب أغنيته التي يبدو أنها ناجحة محليا، في زفاف تقليدي يقام في الخيمة هو أبهى تجل للشعب البسيط العفوي الذي يخلق السعادة من العدم ولو غلبت معاناة الفقر والحاجة.

 

للتفاهة في الشهرة نصيب

بينما على الطرف الآخر يقف من يرون أن الأمر أخذ أضعاف حجمه الحقيقي وأن البساطة والشعبوية أنر منتشر أينما ذهبت وليس مقاربا على الانقراض حتى تكون ردة الفعل بهذا الزخم. هؤلاء نفسهم من يشتكون سهولة الحصول على الشهرة في المغرب، فيكفي أن تطل في مقطع فيديو بشيء من السخرية او الشذوذ حتى تصير حديث البلاد والعباد في اليوم الموالي. فمن مانانوك إلى "مايقوليش بوناني" وصولا "لأدومة" و"النيبا" وغيرهم الكثير تنتشر نيران الشهرة حتى تصير كلمات هؤلاء وإن بلغت من الدنو عتيا جزءا من معجم الشباب، وتصير تعابيرهم ذات صدى شعبي لتأخذ مكان تعبيرات تقليدية أو حتى لتنضاف للقاموس مضيفة مساحة أكثر للتعبير عن معان مختلفة يرتبط فهمها بمشاهدة هذه المقاطع ومتابعتها.

  

 يونس البولماني (مواقع التواصل)
 يونس البولماني (مواقع التواصل)

 

وإن كنت أنأى بنفسي عن الدخول في النزاع، ولا عن مساندة أحد طرفي النقاش وإن كان لكل منهم من الصواب والصحة جزء ونصيب، فإني أرى أن البولماني ضرب بكلمات أغنيته وترا حساسا يلقى النقر عليه صدى واسعا في صفوف جيل نخرت قلوبه علاقات الحب والغرام الشبابية، تلك العلاقت الحتمية النهاية والتي توقد في أفئدتهم نيران الهوى وقيسية المشاعر ولدت جيلا حساسا لكلمات تصور ببساطة قصص غالبيتهم. فبقوله -أي البولماني-: "حتى لقيت اللي تبغيني عاد جايا تسول فيا.. ملي كنت أنا وحدي فين كنتي نتيا…" يصف حال العديد ممن أثر فراقهم للأحبة على أنفسهم وهاهم بذلك يجدون تعبيرا بسيطا يفسر ما عانوا منه أو ما يعيشهم بعضهم في حاضره. لتتأكد من جديد أن قصة الأغنية كلما اقتربت من واقع الجمهور كانت أنجح من زرع أحلام وردية قد لا تحدث في نفوسهم، ليكون اللوم أجدر من الانتظار.

 

بينما هناك طرف رابع يحظر في كل ما شابه من حالات ومناسبات، أصحاب نظرية المؤامرة الذين يؤمنون أن أيدي خفية في الدولة قد تدفع بالبولماني للتغطية على مشاكل البلد وما علا شأنه من ملفات وقضايا. والتعمق في رأيهم يحتاج مقالات أخرى .

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.