شعار قسم مدونات

أسباب انحطاط المسلمين.. "فقدان الثقة بالنفس"

blogs - man sad

في تحليل لدراسة معمقة للمفكر شكيب أرسلان لأسباب تأخر العرب وتقدم الغرب في مختلف الفروع وشتى المجالات، ركّز بالأخص على أسباب انحطاط المسلمين في العصر الأخير، مشيرا إلى عدة نقاط لها أثر بليغ في هذا التخلف. يشير المفكر إلى أن من أعظم أسباب انحطاط المسلمين في العصر الأخير فقدانهم الثقة بالنفس، وهو من أشد الأمراض الاجتماعية، وأخبث الآفات الروحية، لا يتسلّط هذا الداء على إنسان، إلا وأخذ به لجحيم التخلّف، ولا على أمة إلا ساقها للفناء، وكيف يرجو عَليل يعتقد بحقّ أو بباطل أنّ عّلته قاتلة ولا شفاء لها ولا منها. 

 

ويقول الأطباء في دراسة لهم أن العلاج الأَوّلي للأمراض الحسيّة يكون بالعلاج المعنوي، وأنّ أعظم دواء لها هو الإرادة في الشفاء. فهذا هو حال المسلمين حاليا فمعضهم يعتقدون أنهم لا يصلحون لشيء، وأنهم حتى وإن اجتهدوا، أو قعدوا لا يقدرون أي يضارعوا الأوروبيين في شيء. وهكذا أصبح المسلمون في عصرنا الأخير، يعتقدون أنه ما من صراع بين المسلم والأوروبي -في شتى المجالات-إلا وسينتهي بمصرع المسلم وإن طال كفاحه، وكيف يمكنهم أن يناهضوا الأوروبيين وغيرهم في مُعترك، وهم موقنون أن الطائلة الأخيرة ستكون للغرب لا محالة، واستقر هذا الفكر في عقولهم طويلا، والغريب أن هذا الفكر التشاؤمي الخبيث قد تسمعه من شخصيات تزعم أنها الطبقة المفكّرة المولعة بالحقائق والأغرب أنها تنشر وتروج هذا التشاؤم واليأس بين أفراد المجتمع، وهذا الأمر في حد ذاته سبب من أسباب التخلف أيضا لدى العرب لأن وكما قيل :"ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون"، ونحن نقول: "ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالِم".

 

كل من سار على الدرب وصل، وأنّ المسلمين إذا تعلموا العلوم المعاصرة استطاعوا أن يُنجزوا الاعمال التي قام بها الغرب، وربما بنتائج أفضل

وبما أن مصائب قوم عند قوم فوائد، فلقد أحسّ الغربيون بعلّة المسلمين هذه، فاغتنموا الفرصة لصالحهم، فصاروا يروجونها بين المسلمين، وكالعادة دائما ما تجد تيارات تثير الجدل بين المسلمين، فناصروا هذه الفكرة وروجوها بينهم، فانطبق عليهم قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. (البقرة): (9) . ولم يكن الغرب بِمَلُومين عن ترويج هذه النظريات الخبيثة بين المسلمين، لأنها مما يسهل عليهم الاستعمار بجميع أنواعه، ويمهد طرقه، ويرجح كفتهم في الصراع، ويجعل لهم التفوق بلا نزاع، والتسلط دون جدال، لكن العجب كل العجب من هؤلاء المسلمين الذين أمرهم الله ليتصفوا بالعزة، ويتسموا بالأنفة، ويستوفوا الرجولة كاملة كيف كانوا ينقادون لهذه الأضاليل التي مآلها إلى عبوديتهم للأجانب، ولقد صدق فيهم كلام الله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ♢ التوبة (47).

ولم تقتصر هذه الفئة على القول بأنّ حالة المسلمين الحاضرة هي مترديّة ومتدنيّة لا تقاس بحالة الغرب في قليل، ولا في كثير، بل زعمت أن التعب في مجاراة المسلمين للغرب في عُلومهم وتطورهم، هو ضرب من المحال، وأنه عبث لا يليق بالعاقل إتيانه، وحين يسمع السامع كلامهم، يعتقد بل قد يجزم أحيانا أن المسلمين من طينة والغرب من طينة أخرى، وأنّ عُلوّ الغرب على العرب أمر محتوم ولا بد منه، وكأنه كُتِب في اللّوح المحفوظ، وجفّ به القلم، ولم يبق على المسلمين إلا أن يُسَلِّموا أمرهم لهذا القضاء، وأن يعملوا في مستوى اجتماعي أدنى، كونهم طبقة منحطّة عن طبقة الغرب التي يزعمون أنها ذات المستوى العالي والسّامي. وأن يُؤمنوا بمقتضى هذه العقيدة.

 

وفي الختام، نقول أنه كل من سار على الدرب وصل، وأنّ المسلمين إذا تعلموا العلوم المعاصرة استطاعوا أن يُنجزوا الأعمال التي قام بها الغرب، وربما بنتائج أفضل، وأنه ليس هناك فرق في القابلية البشرية، ولكن على شرط أن يَنفُض المسلمون على أنفسهم غبار الخمول ويُلغوا هذه القاعدة التي كانت من أسباب شقائهم زمنا طويلا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.