شعار قسم مدونات

الحاقدون على محمد صلاح

BLOGS محمد صلاح

"ما أعجب الأنسان من كائن، وما أسمي ذكاءه، وما أبرع عقلة وفصاحته! وما أشبه بالملائكة في عملة الطيب، وما أشبه في أدراكه لبعض الآلهة، الحقيقة أنه أجمل شيء في الكون، مثال للكمال في عالم الحيوان، ومع ذلك، فما أراه في ذلك الكائن الذي جوهره التراب؟ الحقيقة أني لا أجد في الأنسان شيء يسرّ". هكذا تحدث شكسبير على لسان هاملت، في إحدى مناجاته مع نفسه، يصف ذلك المخلوق صاحب كل تلك المميزات التي قاربت على الكمال، ويتعجب منه ومن عدم وجود شيء فيه يسرّ. بالتأكيد النجاح شاق وطريقة محفوف بالمخاطر، والظفر به حلو، وفقدانه مر، وضريبته باهظة، كثيرين من هم حول الناجحين ولكن ليس كل الناجحين يحظون بمثل تلك الحفاوة.  

 

داخل أروقة جامعة هارفرد، واحدة من أفضل جامعات العالم أن لم تكن الأفضل، طرح الفيلسوف الأمريكي مايكل استندل على طلابه في إحدى المحاضرات، قضية المسرّات الأسمي والمسرّات الأدنى. ثم بدء في تفنيد القضية من وجهة نظر الفلاسفة، ومن أجل توضيح القضية قام بعمل تجربة مع طلابه من أجل معرفة أي المسرّات قد تكون أنبل من الأخرى. عرض عليهم ثلاثة مقاطع مختلفة من التسلية ثم بداء في قياس ردود الأفعال حول الأشياء التي قد تحمل البهجة أكثر من غيرها. المقطع الأول كان جزء من رواية "هاملت" لشكسبير، والمقطع الثاني كان لإحدي البرامج التي تقوم بعمل التجارب الخطيرة، والمقطع الثالث كان للمسلسل الكرتوني "عائلة سيمبسون".

 

كانت نتيجة تلك التجربة واضحة بشكل لم تجعله يتساءل إيهما قد يكون أفضل بالنسبة لهم! الطلاب يفضلون مشاهدة المسلسل الكرتوني وبرنامج المخاطر أكثر مما يفضلوا مشاهدة رواية لشكسبير! من جهة أخري، كان لصناع الأفلام وجهة نظر أخري، ففي عام 2017 أجرت مجلة التايمز حوارً مع المخرج البريطاني المبدع "كريستوفر نولان". وحين سؤال عن أهمية صناعة السينما، قال إن السينما ليست سوي جزء ترفيهي عن الجمهور، ليست ألا طريقة للغوص في عالم أخر ونسيان عالمك الواقعي بما فيه من تجارب تقتطع من عقلك. ثم قال انه لا يريد أبدا من الجماهير أن تفرط في التفكر في أعماله، أو حتى يظنوا إن بها لغز، ليست سوي تجربة يمكن أن تضع نفسك بداخلها.

 

المبدعون أكثر مما قد تستوعب الإنسانية فقد تجد ألاف النسخ من محمد صلاح في أحراش أفريقيا أو في الساحات الشعبية ولكن لا دعم لهم
المبدعون أكثر مما قد تستوعب الإنسانية فقد تجد ألاف النسخ من محمد صلاح في أحراش أفريقيا أو في الساحات الشعبية ولكن لا دعم لهم
 

دعنا نتخيل نسبة الأشخاص، الذين قد لا يعرفوا شخصيات مرموقة وصلت ألي أقصى حدود التفوق كـ "نجيب محفوظ" الأديب الحائز على جائزة نوبل، هل يمكن أن تتخيل عددهم؟ ثم إعاده التجربة على شخص أكثر تأثيراً في البشرية مثل "أحمد زويل" مخترع الفيمتو ثانية كم عدد من يعرفون اسمه أو حتى كم عدد الذين يعرفون لما فاز بنوبل؟ لكن إذا ذهبت إلى أقصى الأماكن فقراً وجهلاً في إحراش إفريقيا أو حتى أقصى الأماكن رفاهية وثقافة في أوروبا، وتساءلت عمن يكون "محمد صلاح" أو ربما "ممثل مشهور" ستجد الإجابة مؤرخة من الميلاد إلى تلك اللحظة التي ستساله فيها.

 

في إحدى الحلقات ببرنامج "سوار شعيب" حمل صورة للأديب الكبير نجيب محفوظ وذهب بها إلى مركز للتسوق، ثم أخبر الجمهور، أن هذا الرجل مصري الجنسية، فما هي مهنته؟ في البداية سال عدد من الشباب، عما إذا كانوا يعرفونه، منهم من قال لا ومنهم أكد أنه لم يره من قبل. وحين سألهم عن مهنته المتوقعة، أخبروه بانه ربما قد يكون مدرساً، أو شخصاً فقيرً مسكينً، أو ربما في أحسن الأحوال طبيب أو مهندساً، أو ربما تاجر أو يعمل في المقاولات.

 

وحين أخبرهم أنه نجيب محفوظ الروائي الكبير والحاصل على جائزة نوبل، تفاجئ البعض حتى أن البعض ظل متمسك أنه مدرس والبعض لم يكن يعرف ما هي جائزة نوبل من الأساس! ربما قد نعود إلى تجربة الفيلسوف الأمريكي ستندل، ونعيدها مرة أخري علي بعض الناس ونسألهم عمن هو الشخصية الأهم بينهم، ولنضع شخص رياضي مثل "محمد صلاح" و ممثل صاحب تاريخ مثل "عادل إمام" وعالم مثل "جمال حمدان"؟  فهل سيكون لديك شك حول اختيارهم، أو أن جمال حمدان سيتذيل القائمة، أو حتى أن البعض سيتسأل عن شخصية ذلك الرجل!

 

بالتأكيد حين تجد أن هنالك، أكثر من مئة مليون إنسان يقفون بجوارك، هي قوه لا يستهان بها، لكن بعض الناجحين والمبدعين لا يروا من ذلك الدعم شيء، أو ربما قد يكون نهايته على أيدي شخص من المفترض أن يكون داعم له. المبدعون أكثر مما قد تستوعب الإنسانية فقد تجد ألاف النسخ من محمد صلاح في أحراش أفريقيا أو في الساحات الشعبية كما صورها فيلم الحريف، أو في حواري وأزقة أمريكا اللاتينية. بالتأكيد حين لا يجد المبدع تقدير لعملة، فلما ولمن يصنعه؟ فكل مبدع اليوم ينظر للحفاوة حول محمد ويقول، أن الحياة ليست عادلة. فإن كان محمد صلاح قد نجح، فأغلب الظن أنه كان الأكثر حظاً ممن غيره، أو كما كان يقول أحد الحكماء، بأن الموهبة دون حظ لا تساوي شيء، أو ربما قد يكون هو أيضا من الحاقدين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.