شعار قسم مدونات

رسالة اعتذار..

مدونات - رسالة يكتب كتابة تكتب

أعتذر لأمي التي خضعت لإجراء عملية في القلب.. ولم أكن معها في ذلك اليوم.. لأنني كنت في مهمة عمل.. ولم أستطع طلب إجازة.. لكنى زرتها في اليوم التالي كضيف عابر. وأعتذر لأبى الذي كثيرا ما يهاتفني ثم يعاود الاتصال بي.. لكنى نادراً ما أجيب على مكالماته لأني في اجتماع عمل.. ويصله على هاتفه لا يوجد رد.. وأعتذر له لأنني قليلا ما أبادر أنا بالاتصال عليه.. وأعتذر لأختي التي طالما وعدتها بالزيارة إلى منزلها والاستماع إلى.. حديثها لكنى أنسي ذلك الوعد..

 

وأعتذر لأطفالي الذين وعدتهم كثيرا لحضور اجتماع أولياء الطلبة في المدرسة لكنى لم أحضر.. ووعدتهم بحضور مسرحية ترفيهية كان أحدهم من أبطالها.. لكنى لم أكن معهم.. وأعتذر لصديقي الذي أهداني رواية كان هو مؤلفها وينتظر رأيي بها لكنى لم أقراها.. وأعتذر لصديقتي التي دعتني لأرتشف معها فنجان قهوة.. وكنت دائما أخذلها ولا ألبي الدعوة.. وصديقة أخرى دعتني لحضور حفل زفافها.. ولم أكن من الحاضرين.. وأعتذر لأشخاص وعدتهم بأن نلتقي قريبا لكن اللقاء لم يحين بعد.

 

وأعتذر لنفسي.. لذاتي.. لكياني.. لأني نسيت وتناسيت وانشغلت.. وأهملت.. ولم أهتم لي ولم أكن أبالي.. نسيت أن اهتم بنوعية طعامي.. وأن يكون مجرد وجبة عابرة.. تسد حاجة الجوع فقط بعد ساعات طويلة قد مرت.. نسيت أن أخذ الدواء بانتظام وأحيانا لا أتناوله أصلاً عندما أكون مريضة.. نسيت أن أذهب لطبيب الأسنان واكتفيت بالمسكنات.. نسيت أن أمارس طقوسي الجميلة والبسيطة.. التي أحبها.. كمشاهدة التلفاز أو الاستماع إلى الموسيقى والقراءة والمطالعة.

  

نعافر ونحارب ونخوض معركة الحياة وحدنا.. وحين نعود.. نعود كشخص مُصاب بالزهايمر.. أو شخص فقد الذاكرة.. لا يدري كم من أحداث تغيرت وتبدلت من حوله حين أغرقته مشاغله ومشاكله..

فقد انحصرت أفكاري وحياتي فقط في العمل.. كيف سأعمل وماذا سأعمل.. وكيف أنجز هذه المهمة وكيف أغلق ذاك الملف.. أدون فقط المواعيد المتعلقة بالعمل.. وأجري فقط الاتصالات الخاصة بالعمل.. وعليا الالتزام بالعمل.. وينتهي العمر ولا ينتهي العمل. فقد تجبرنا الحياة على الغياب طويلا.. وعن الانشغال عن أقرب الناس إلينا وتشغلنا عن أنفسنا.. فما أسوأ ان يحدث ذلك.. ألا نجد وقت كافٍ لكي نعطى كل ذي حق حقه.. وأن نمنح الحب والاهتمام لمن يستحق.. فنشعر أننا بحاجة إلى ألف عُمر غير عُمرنا لكي يأخذ منا كل شيء نصيبه.. الأهل والأصدقاء والعمل وأنفسنا.

  
وفى نهاية المطاف نصل إلى مرحلة من العمر.. تصبح أرواحنا مبعثرة.. تلوح في أفق بعيد.. تعانق حدود الكون.. وتصل عنان السماء.. ثم تحط على الأرض خائبة تائهة مشردة بلا ارض وبلا وطن. تبحث بين أروقة هذا العالم عن مبتغاها.. عن حب وراحة أبدية.. عن أحلام وردية.. وعن أمنيات نرجسية.. عن سعادة حقيقة.. ثم نصاب بخيبة أمل لأننا كطفل صغير.. يتشبث برغباته ويلهث لتحقيقها دون الاكتراث للنتيجة.

 
فإن الحياة ليست كالأفق تبدو على خط مستقيم.. فالحياة مد وجزر.. نمتزج بها إلى أن نتلاشى تدريجيا.. ثم نختفى عن الأنظار.. وننسى أنفسنا بما اشغلتنا به الحياة ونصاب بالعزلة عن العالم بأكمله.. نشعر وكأننا في سجن انفرادي.. نعافر ونحارب ونخوض معركة الحياة وحدنا.. وحين نعود.. نعود كشخص مُصاب بالزهايمر.. أو شخص فقد الذاكرة.. لا يدري كم من أحداث تغيرت وتبدلت من حوله حين أغرقته مشاغله ومشاكله.. فشعوره بالغربة الكئيبة.. جعله يرى العالم من حوله وكأنه قطعة من كوكب آخر.. وكأننا نعيش في عنق زجاجة.. نعود وقد أصابنا التغير.. فما نحن إلا كتلة آدمية متغيرة.. متغيرة في الشكل والملامح.. متغيرة في المشاعر والعواطف.. متغيرة في الأفكار والمبادئ.. وليس هناك شيء ثابت في حياتنا سوى أسمائنا وتاريخ مولدنا.

 
وأخيرا.. لا يمكنني أن أختم مقالي هذا بتوجيه نصيحة.. لأن نهتم بأقرب الناس إلينا وأن نوليهم أولوياتنا في الحب والاهتمام.. فأنا بحاجة إلى من يسدي لي نصيحة كي أهتم بنفسي قبل كل شيء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.