شعار قسم مدونات

تأثير الإسلام في العبادة اليهودية

مدونات - اليهود
في كتابه "ما يقال عن الإسلام" يبين الأديب عباس محمود العقاد، أن هذا العنوان هو اسم لكتاب ألف باللغة العبرية، للباحث نفتالي فيدر Naphtali Wieder ونشر بأكسفورد تحت عنوان: (Islamic Influences On The Jewish Worship) ويذكر العقاد أن هذا العنوان يغري بالسّؤال التالي: كيف يكون هذا التأثير، واليهودية سابقة للإسلام؟! موضحا أن هذا الفهم، في كون السابق في التاريخ دوما أولى بالتأثير في اللاحق، هو ما ثَبّت الإشاعة الرائجة عند الغرب، في أن الإسلام نسخة مشوهة من اليهودية، بل ومن المسيحية أيضا.

 
ويستغرب العقاد أن يردّد هذه الخرافة -على حدّ تعبيره- بعض أهل الثقافة والخلق، في تهافت كان الأولى أن يعصموا عقولهم منه، لأن الباحث المقارن -في رأيه- يجب أن يستقصي في دراسته الموضوع والأمّة لا الرقم التاريخي فقط. ثم يذكر العقاد أن "اليهود ليسوا بالأصلاء فيما تدينوا به من العقائد ونقلوه من الأخبار» وأن «السّبق إلى النّبوّة عامّة لم يثبت لليهود» ليضيف: «وفي تاريخ العرب من أخبار الأنبياء ما ليس في تاريخ اليهود، ومنهم صالح وهود وذو الكفل عليهم السلام، وكلمة "النبي" نفسها لم تكن معروفة عند اليهود قبل دخولهم أرض كنعان، وإنما كانوا يسمّون النبي بالرّائي ورجل الرّب على رواية العهد القديم".
  
ليوضح أنّ المقارنة في جوهر الدّين، إنما ينبغي أن تكون حول: عقيدة الإله، وعقيدة النبوّة، وعقيدة التكليف، وهنا يتّجه العقاد إلى تأكيد سموّ الإسلام فيقول: «ولم يعرف النّوع الإنسانيّ دينا رفع هذه العقائد إلى سماء من التّنزيه والرّشد، والصّدق فوق تلك السماء العليا التي ارتفع إليها الإسلام". ليضيف أن الباحث المنصف، سيصل إلى نتيجة حتمية؛ هي ألا سبق لليهودية على الإسلام، وإنّما السّبق الحقيقي كان للمسلمين على اليهود. ثم ينتقل العقاد إلى الكاتب العبري نفتالي فيدر، الذي أثبت بما لا شك فيه -على حد تعبير العقاد- أن اليهود تعلموا من المسلمين في لغتهم وأدبهم وحكمتهم.

 

الواقع أن اليهودية بعد الإسلام، قد استفادت من آدابه وشعائره، كما استفادت من ثقافته في علمم الأصول وفي نحو اللغة وعروضها وأوزان شعرها

فاللغة العبرية -كما يذكر العقاد- لم تكن لها قواعد نحو أو بلاغة، حتى جاء "الرّباني سعديا جاؤون" في القرن العاشر للميلاد، الذي تعلم ثقافة العرب بمصر، ووضع أول كتاب للقواعد العبرية، وقواعد الفصاحة فيها، ثم "الرّباني أودنيم بن تميم البابلي" فألف كتابا بالعبرية مقرونة بالعربية، مفسّرة بشواهدها وأمثالها. ونفس الكلام يقال عن فنّ العروض، الذي تعلّمه اليهود من العرب، بالأندلس ومصر، ونظموا على الأوزان العربية. ويضرب المثل بالفيلسوف اليهودي "موسى بن ميمون" الذي كان تلميذ الفلاسفة المسلمين في المغرب، والذي كتب في حكمة (التوحيد) معتبرا أن التعود بعادات المسلمين -كأمّة تعبد الإله الواحد- لا يناقض ما جاء في التوراة.

 
ويذكر العقاد أن هذا الكتاب لـ نفتالي فيدر «يتقدم بالبحث خطوة أخرى، فيقابل بين عبادات اليهود قبل اتصالهم بالمسلمين، وعباداتهم بعد هذا الاتصال ببضعة أجيال، فيثبت المؤلف أن القدوة بالمسلمين عادت باليهود إلى إحياء السّنن التي هجروها من عباداتهم الأولى وعلمتهم سننا أخرى لم يعلموها، ومنها شعائر في صميم العبادة كشعائر الوضوء والغسل، ونظام الصّلاة الجامعة وغيرها من الصلوات". مستشهدا -أي المؤلف- بنصوص من التلمود، وبأقوال الأئمّة المتأخّرين، ووصايا الشّعراء، كـ "مناحيم دي لوزان- الذي نظم قائلا: «تطهّر من رجس المتاع، ووقائع الليل الجسدية، ولا يكن العرب والليبيون والليديون أكثر منك طهارة..».

 

ثم يعقب العقاد: "وتغنينا أقوال الأحبار بأقلامهم وألسنتهم، عن بيان أطوار الرقي الاجتماعي والخلقي، الذي سرى إلى عبادات القوم وعاداتهم، بعد الاقتداء بأدب الصلاة الجامعة عند المسلمين في المغرب والمشرق". ليستشهد بما نقله نفتالي فيدر عن الرّباني الفيلسوف موسى بن ميمون: "وقد شاع بين الأمم أن اليهود يبصقون ويثرثرون في صلاتهم لأنهم يشاهدون ذلك أينما رأوهم يؤدون الصلاة" ليعقب الكاتب العبري بالقول: «ولما كان الميموني قد نظر إلى الحالة في الكنيس من خلال مرآة المسلمين، وكان يخشى مما تقوله الشعوب، فقد رأى نفسه يوصي ويعمل عمله للقضاء على هذه الحالة» وذلك في تقديره بسلوك مسلك المسلمين، في صلواتهم الجامعة، وفي التّطهر والوضوء، وفي رعايتهم لآداب المسجد جميعها.

 

undefined

 
وعن تأثير التصوف الإسلامي في اليهودية، اختار نفتالي فيدر سيرة الإمام اليهودي الحكيم موسى بن ميمون، كواحد من الذين كانت لهم صلة بالثقافة الإسلامية، وأثِرَتْ عنهم أقوال منقولة عن العربية، لا سابقة لها في العبرية، ثم لخّص الشّعائر التي قرّرها ابنه إبراهيم بن ميمون من بعده. ليصل إلى نتيجة هي: "أنّ النّسك الشّرقي نتاج مدرسة إبراهيم الميموني وزميله الحبر إبراهيم الحسيد، وجذوره مستمدة من البيئة الإسلامية، ومتأثرة بالمتصوّفة المسلمين". ليلفت النّظر إلى عبارات: الأخوّة في سبيل الله، تسميّة الله بربّ العالمين، وتسميّة المسالك الصّوفية بالحالات والمقامات.. وكلها صيغ مقتبسة من أقوال المسلمين. ليختم نفتالي فيدر بقوله: «في الختام يتضح التأثير الصّوفي أيضا في تنويه الميموني بالبكاء التعبّدي، فإن غزارة الدّموع علامة يتميز بها الصّوفي العظيم، وقد سمِّي الزهاد الأوائل في الإسلام بالبكائين".

 
ويرى العقاد أن الثورة الصاخبة التي أثارتها شيعة الجمود على هذا التجديد (الأجنبي)، هو في الحقيقة من أكبر الشواهد التاريخية دلالة على انتفاع اليهود بالقدوة الإسلامية، في آداب الدين وشعائر العبادة عندهم. ويختم العقاد بقوله: "وفيما أوردناه من هذا الكتاب، كفاية لما أردناه من تفنيد خرافة القائلين، بأن الإسلام شعبة من اليهودية، أو أن الإسلام مدين لها بشعائره وأحكامه".

 
فالواقع أن اليهودية بعد الإسلام، قد استفادت من آدابه وشعائره، كما استفادت من ثقافته في علمم الأصول وفي نحو اللغة وعروضها وأوزان شعرها. "فإذا اختلفت اليهودية والإسلام، فالفضل للإسلام في الارتقاء بالعقيدة الإلهية التي جعلها اليهود مشيخة قبيلة، وفي عقيدة النبوة التي جعلوها ضربا من التنجيم، وفي المسؤولية الإنسانية التي جعلوها ضربا من محاباة العصبية الجهلاء، لغير سبب ولا فضيلة".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.