شعار قسم مدونات

العالم لا يتغير..

مدونات - امرأة تمشي سلالم ماضي

في البيوت الصغيرة، في بيوتنا القديمة، قبل أعوام قليلة.. كنا نلتف حول بعضنا البعض في ليالي الشتاء، لنجلس أمام المدفأة، وتجلس بيننا جدتنا، لتروي لنا حكايات طويلة، خيالية جميلة.. كنا نجد أنفسنا نستمع بإنصاتٍ إلى الحكاية، وكل منا لديه عينان متعلقتان في الأفق تنسج ما يحلو لها من خيالات تتناسب بما تقصه علينا الجدّة.. كنا نلتف حول وجباتنا الثلاث.. الإفطار البسيط، والغداء الدّسِم، والعشاء السريع.. كانت مائدة الطعام هي المكان الأكثر تفضيلاً لدينا.. لم نكن نخرج من عالمنا الصغير إلى عالم أكبر، إلّا عبر صندوق ضخم يسمّى "التلفزيون"، وكان ينقل لنا بعض الأخبار العالمية الرئيسية، والقليل من البرامج الترفيهية والمسلسلات الكرتونية والكوميدية..

 
كنّا نفضل اللعب بالطين والحجارة، ولعب الـ " غُميضة والحَجْلة والسباق " في الحواكير وداخل أزقّة الحارة.. لم نكن متخلّفين إلى ذلك الحد طبعاً، فقد كانت لدينا ألعاب الأتاري المتطورة، وكان قد انتشر جهاز الكمبيوتر لدى بعض العوائل الميسورة، كنا نعرف كيف نلعب شدة السوليتير، وألعاب ملاحقة المجرمين، وسباقات السيارات.. كنا نشتري القصص الورقية الطويلة لتقرأها لنا أمنا قبل النوم.. وكنا نتابع في أوقات الظهيرة أفلام توم وجيري، والقنّاص وسالي.. لا أنسى ذلك المنظر الرهيب الذي كنت أراه حين أطل من النافذة في أوقات الربيع، إذ كانت تضج السماء بالطائرات الورقية الملونة الجميلة، تحلّق وتتألق بين العصافير وحمائم السلام..

 

لم تعد سرقة بيوتنا أكبر همومنا.. فما سُرِق منا كان أعظم بكثير.. سُرقت منا الطمأنينة، والجمعة العائلية الثمينة.. سرقت موائدنا وأطعمة والدتنا وحكايا جدتنا. سُرِق منّا الكثير الذي لا يعوّض

بيوتنا كانت صغيرة، وقلوبنا كانت نقيّة.. وأرواحنا هادئة.. هل تغيّر العالم؟ ما الذي يحصل الآن؟ كنا نعيش في سلام، وحب وأمان.. ما ذلك الخوف الذي يجتاحنا في هذا الزمان؟ السرقة، القتل، الموت.. هل تحوّل البشر إلى وحوش تقتل بلا رحمة؟ ومتى جاع الناس حتى تصبح السرقة مهنة لا تفنى؟! كيف قصرت أعمار البشر؟ لمَ أصبح الموت بخطأ طبي شائع إلى هذا الحد؟ هل جددت إسرائيل الحرب على بلادنا؟ الاختطاف والاغتصاب والجرائم البشعة! هل فقدنا إنسانيتنا؟! متى ازداد الفقر إلى هذا الحد؟ منذ متى كان عالمنا ظالماً؟

 

كنت أفكر كثيراً في تلك الأسئلة، كان لدي الفضول لأعرف كيف تغيرنا بتلك السرعة! نِمنا في عالم جميل تحفّه البراءة من جميع جوانبه.. ثم استيقظنا لنجد أنفسنا في غابة موحشة يأكل القوي فيها الضعيف.. العالم لا يتغير بين يوم وليلة.. إنما نحن تغيرنا! دخلت مواقع التواصل الاجتماع إلى بيوتنا.. فرّقت شملنا، أصبحنا نلتف حول هواتفنا بدل أن نلتف حول عوائلنا.. الأخبار السيئة والمخيفة لم تزداد! بقيت كما هي، الفرق أنها وجدت مروجاً قوياً لها عبر مواقع التواصل.. حتى إن لم تخرج من بيتك، فسوف تصلك الأخبار وأنت جالس في سريرك.. الجرائم وُجدت على تلك الأرض مُنذ خلق البشرية، الوفاة بخطأ طبي غبي أمر لا يُستهجن حدوثه!

 
السرقة ظلت في مخبأها حتى مات الفاروق.. كل ذلك كان موجوداً.. لكن بيوتنا كانت ضيّقة، كل شيء محصور داخلها، كنّا بعيدين عن الألم، لما توسّعنا تعِبنا، خفنا.. وارتجفت قلوبنا، ورحنا نتساءل: كيف كنا نعيش بين أيدي هذا العالم؟ في الأمس كنا لا نبالي بالموت ولا نفكّر في الحالة التي سنموت عليها.. لم نكن نهتم إن كنا سنموت بحادث أو خطأ طبي، أو جلطة دماغية، أو حتى بلا سبب.. وكنا ببساطة نقول: تعددت الأسباب والموت واحد..

 

مقولة "مثل الأطرش بالزفة"، التي كنا جميعاً نعيشها، كانت مريحة جداً.. لم نكن نسمع ما يؤذينا، أو يخيفنا.. لم نكن نضطر إلى التفكير بأمر أكثر مما يستحق.. لما شُفينا من الطّرش مرضت قلوبنا.. وارتجفت أطرافنا.. أصبحنا نسمع ونحلّل.. ولم تعد سرقة بيوتنا أكبر همومنا.. فما سُرِق منا كان أعظم بكثير.. سُرقت منا الطمأنينة، والجمعة العائلية الثمينة.. سرقت موائدنا وأطعمة والدتنا وحكايا جدتنا. سُرِق منّا الكثير الذي لا يعوّض، سرق منا الصُمّ الذي كان محفظة لكل الذكريات الجميلة التي غادرت بعيداً عنا، هاجرت إلى أرضٍ لا نعرفها، ولا أظنها تعود ذات يوم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.