شعار قسم مدونات

الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ

مدونات - الصومال والاستعمار
الصومال وطن تلفه التاريخ وتحيطه المحيط والحروب، الأنهار تداعب جبينه، والمناطق الأثرية تستقبل زواره مع لمسات إستوائية مميزة. روائح الثقافة عابقة في أزقات مساجده الشاهدة على الحضارة الإسلامية العريقة، والمدن القديمة تشكل صندوقا مليئا بالأسرار وماضي أمة كانت همزة وصل بين أفريقيا والبلاد العربية وما ورائها من البلدان والشعوب.

 
وصل العرب إلى الصومال عبر موجات متتالية من البشر منذ انهيار سد مأرب، وبعد بزوغ فجر الإسلام توثقت أواصر العرى بينهم وبين سكان ساحل الصومال فأسسوا الممالك والمدن والمراكز التجارية، وبنو القلاع والموانئ وانسجموا مع القبائل، وانتشرت ثقافتهم وحضارتهم وساد فنونهم، وبذلك أثّروا على اللغة والملامح والتركيبة السكانية، وفي غضون سنوات قليلة ذابوا في المجتمعات المحلية وباتوا عنصرا مكونا من اللوحة الصومالية.

 

على أطلال حيّ شنغاني في مقديشو تحيطني جروح لا تندمل، وانهزمت أمام أطلال التراث الصامد، قصور السلاطين على كتف المساجد، ومتاحف تقبّل الرمال، وذكريات الرحالة كريستوفر كولومبس، وكتابات ابن بطوطة، وآثار المؤرخين والكتاب الذين مرّوا على بلاد بونت وهم يبحثون مجد الكلمة أو متعة السياحة في أجواء مقديشو "ساحرة شرق أفريقيا" فهربت أداوي جروح الحروب بالكتابة رغم صعوبة نسيان ذكرياته المترسخة في الذاكرة الجمعية للشعب.

  

مارس الاستعمار حيلته المعهودة في ابتلاع الأمم والأراضي: توقيع الاتفاقيات المجحفة مع السلاطين وأعيان القبائل، معظم الزعماء كانوا يعتقدون أن الاتفاقيات تحميهم من الأطماع والحروب المحلية

كلما أتوغل أقترب إلى معالم قديمة، وشوارع اختفت، وتراث طمرها النسيان، وملامح مآسي بامتداد مقديشو، وتبدوا المحيط الهندي على صفح الأفق وكأنها تراقب مدينة تنام على وقع الانفجارات وتصحو على دوامة سحب الثقة من أحدهم، وإذا توغلت في الحس الشاعري والهوية الحضارية المميزة ل"حَمَرْ" سترى طلاً من ابتسامة تبرز بعض مفاتنها وإن علاها غبار ثلاثون سنة كان خنجر الفرقاء مغروسا في جسدها.
 
نحو العبور إلى تاريخ طمستها المعارك، وأمام مقر البرلمان الصومالي الذي يعاني من تضاريس الأزمنة تعيدني مقديشو إلى بداية السبعينيات من القرن المنصرم، المبنى الشامخ شهد مؤتمر القمة الإفريقية عام 1974م وضمّ في جدرانه زعماء أفريقيا العظام قبل أن تنال يد الغدر وتحوله إلى أطلال باكية وثكنات للجيوش المتصارعة على المدينة.
 
في تلك الحقبة كان الصومال مزدهراً ويشهد جهوداً حثيثة من أجل لحاق قطار التقدم والاكتفاء الذاتي، تصدّر العساكر في الجمهورية الثانية وانغمسوا في السياسية بعد دولة مدنية تنخرها الفساد وتقودها الدستور، في الوهلة الأولى بدا الجيش وكأنه يلبي مطالب الكادحين، تضافرت الجهود وتكاتفت جميع فئات الشعب من أجل صومال جديد، فبدأت موجات البناء وإنشاء التعاونيات والمشاريع الوطنية التي مازالت ماثلة إلى يومنا هذا.
 
حكومة العساكر لمست الوتر الحساس للشعب عندما ركزت الجوانب الثقافية والتوعوية والتاريخية، نفضوا الغبار عن تاريخ الأبطال، وألفوا الأغاني، ونظموا الأشعار لدغدغت المشاعر، وبعد قطع أشواط نحو التطور ودولة تواكب العصر وتستطيع استعادة استقلال قرارها حدثت نكسة غيّرت البوصلة! العساكر اختاروا الأيديولوجية الشيوعية ومحاربة الأصالة والهوية الدينية المترسخة في الوجدان، ومن أجل تعميق الماركسية في أوساط الشعب أصدروا قوانين مجحفة بحق الدين فبدأ صراع العلماء والسلطة، ودارت مساجلات فكرية وثقافية تطورت إلى إعدام العلماء وإراقة الدماء!
 
كانت خطوة جريئة نحو الانهيار تَعَمّق بعدها الشرخ بين الشعب والحكومة الصومالية الاشتراكية، وتوقفت عجلة الاقتصاد، وضاع الشعب وفقدت الدولة هيبتها على القلوب وسيطرتها على الأرض، وبعد سنوات من إعدام العلماء والهزيمة المؤلمة في جبهة أوغادين عام 1977م بدأت المعارضة المسلحة تشن حروبا على الدولة، وبين انتهاكات الدولة البوليسية وعمالة الجبهات المتمردة ضاع الوطن، لقد دمره الحروب وبقي تاريخه دفينا تحت عباءة القبلية و ركام المعالم وغباء المهووسين بالحكم، وقصص شفهية لشعب تواق إلى السلام ونشر المحبة بعد عقود من الإرهاب والكراهية.
 
على بعد أمتار قليلة من مجلس الشعب يطل تمثال ثائر الصومال السيد محمد عبدالله حسن بهامته الممشوقة وتقاسيمه الدقيقة، السيد ورفاقه الأشاوس الذين قادوا الجموع نحو الحرية والكفاح المسلح في زمن كان الوعي السياسي الصومالي في أدنى مستوياته واجهتم مصاعب جمّة كتفكك الوطن، وتأليب رأي العام واغتيال المعنويات عبر وكلاء الاحتلال، وعدم الحصول على الأسلحة والذخائر بسبب الحصار الأوروبي المفروض على السواحل الصومالية، ورغم ذلك حاربوا الترويكا المحتلة (بريطانيا، إيطاليا، فرنسا) إضافة إلى الحبشة، وكابدوهم خسائر جسيمة طيلة عقدين كان نار الجهاد يومض على ربوع القرن الأفريقي.

   undefined

 

في بداية عهده مارس الاستعمار حيلته العهودة في ابتلاع الأمم والأراضي: توقيع الاتفاقيات المجحفة مع السلاطين وأعيان القبائل، في تلك الحقبة معظم الزعماء كانوا يعتقدون أن الاتفاقيات مع الدول الكبرى تحميهم من الأطماع والحروب المحلية. ولكن كان للمحتل أطماعا اقتصادية وسياسية ودينية أكبر بكثير مما عرفه السلاطين، حيث كان يطمع التهام الصومال واستعباد شعبه ونهب ثروته ونشر المسيحية تحت بند أحقية الدول الأوروبية أن يكون لها الحق في احتكار التجارة ورسم السياسة ونشر الثقافة والتعاليم النصرانية في المقاطعات المستعمرة.
 
استهدفت ثورة الدراويش على محاربة الغبن السياسي والأفكار الانهزامية التي بُثت في أوساط الشعب، فشنوا هجوما عنيفا على جيوش الإمبريالية والقبائل الموالية للمحتل لإجبارهم على الانسحاب من الاتفاقيات والانضمام إلى جحافل المناضلين، نجحت الثورة في رد الاعتبار وتحرير العقول من الأغلال، وبعد سنوات من الكفاح استطاع الأوروبيون هزيمة ثورة الدراويش عسكريا بعد قصف قلعة تليح معقل الحركة فبراير عام 1920م، ولكن لم يستطيعوا هزيمتها تاريخيا وتراثيا لأنها غرست الوطنية والإيمان في قلوب الصوماليين، وأعادت لهم الثقة، ووحدتهم بعدما كانوا قبائل متناحرة وبطون متصارعة لا هدف لهم سوى الغارة على القبيلة المجاورة، وبذلك تغلغلت في أوساط الفن والثقافة والأدب والوجدان الذي مازال يغني بأمجادها ويعدد مآثرها ويعتكف على دراسة تاريخها بعد مرور حوالي قرن من استخدام بريطانيا الأسلحة البيولوجية ضد الثوار في هُرشَكَحْ وغيرها من الأماكن.
 
لقد عبأت الدروايش المجتمع الصومالي عبر الأشعار والخطب والانتصارات وتطبيق الشريعة الإسلامية حسب استطاعتها، ورسمت له سياسة بعيدة عن القبلية والقناعة بالذل والانخضاع للقوى الخارجية، وقادتهم نحو الحرية ومقارعة المحتل واستعادة الأراضي المفقودة والكرامة المهدرة.
 
في منطقة أرخى ليل الحرب سدوله تبقى الذكريات الجسور العابرة إلى الأمل والحياة، على شمال الطريق مبان صامتة وأخرى تترنم بأغاني الماضي وألحان السلام، تجاوزتُ تمثال الدرويش بمزيد من المرارة والألم، كان رائداً لشعب معادي لنفسه، وموبؤء بالخلافات القبلية وأراد أن يعيش ذليلا وعلى هامش التاريخ رغم ما يملكة من المصادر والموارد والحضارة. عند تقاطع التاريخ بالطرق المنهارة كنت ضيفا على الحسرة مرة أخرى! فوق ربوة قليلة الارتفاع في كيلو متر4 يبرز تمثال أحمد جُريْ المجاهد الذي نشر الإسلام، وحمى المقدسات الإسلامية من العبث، وقاوم ضد الاستعمار البرتغالي والحبشي.
   

 تمثال أحمد الغازي (مواقع التواصل)
 تمثال أحمد الغازي (مواقع التواصل)

 
الصوماليون لا يملّون عن الارتحال ونشر الدعوة والتجارة العابرة للقارات، كانوا رعاة يسيرون وراء الماء والكلأ، وجحافل يأتون من سهول الأعماق إلى مرتفعات الحبشة غرباً، وسهوب السافانا جنوباً. ومنذ أن تمازجت القوميات في شرق إفريقيا كانوا يحملون لواء الإسلام، ويواجهون المخاطر بابتسامة لا تفارق على محياهم. في الصباح الباكر وقبل أن تبدأ الزحمة يبدو التمثال كئيبا تحت واقع الصومالي الحزين. ورغم اختفاء المجسم إبان سنوات الحروب إلا أن روحي تتحدث مع أحمد الغازي بشجن، نظرتُ إليه وأنا أخجل من مواجهة من كانت الشجاعة عنوانه.

 

أذهلني الوضع وأسكتتني الفواجع! عجزت النساء أن يلدن مثله، نعاني من شح في القيادة الحقيقية وابتلينا بأقزام همهم ملء الجيوب وتلميع صورة العدو الخارجي! ضحك البطل بخشونة يؤنبي ويحدثني عن عصره المليء بالفتوحات والملاحم ومقارعة الأعداء، "أما أنتم فأصبحتم في ذيل الأمم! ماذا فعلتم بأنفسكم؟ لماذا رضيتم أن تكونوا أداة في أيدي الأعداء؟ تتقاتلون من أجل القتل وإرضاء أسيادكم من الشرق والغرب؟ عجيب أمركم يا أحفادي، في هذا التوقيت الحرج أمامكم خيارين لا ثالث لهما، إمّا صوت العقل والمصالحة الشاملة والتعايش على أرضكم متماسكين، أو التعمق في الجرح النازف والتمادي في طريق العار، بقّروا البطون ويتموا الأطفال ولعنات الأجداد تلاحقكم"!

  
كانت مشاعر الأسى تتدفق عبر شرفات المكان والزمان وأنا أحثّ الخطى نحو ضاحية مقديشو حيث تحيط بنا حقول الموز ومزارع المانجو والفواكه على ضفاف نهر شبيلي. الخضرة لا تأخذ الابتعاد عنا، بل تقترب ونحن في طريقنا إلى القرى المتناثرة على أهداب الأنهار والمستنقعات الجنوبية في سهول وامُوْ.
  
أصوات الأطفال تخترق الأجواء المشحونة بتقاليد الريف، الصبيان رائعون ويبدوا من بشرتهم آمالا تعانق السماء وهم يتدفقون من البيوت الطينية والمدارس القرآنية، ورغم التقارير المهولة للأمم المتحدة حول الصومال إلا أن القاطنين في القرى المحاذية للطريق يعيشون حياة جميلة، وسعادة ملامحهم الذائبة في السمرة والأوراد الصباحية كانت مذهلة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.