شعار قسم مدونات

صارت تُسمّى فِلسطين

مدونات - غزة

" كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين"

عجباً! من أين يأتون بهذا البأس؟ من أين ينهلون بحب الأرض، من أين جاؤوا بصبر أيوب؟! في كل مرة تُلقِّننا فيها فلسطين درساً قاسياً في الوطنية والرجولة، وفي كل مرةٍ تسرقُ منا الموت المشرِّف -الموت الذي لطالما حُذّرنا منه إلى حد الجُبن من كل شيء- وتترك لنا صفحات التخاذلِ المدوّية، وفي كل مرةٍ يُزّف فيها شهيدٌ، كنتُ أبحثُ عن وجه أمه الفلسطيني تحديداً، كنتُ أبحثُ عن السرّ الكامن في وجوه شهدائهم، وبما أنن الأمَّ ليس كمثلِها شيء، فإن الأمَّ الفلسطينية ليست كباقي الأمهات.. أكان وجهها شاحباً؟!

 

أرمت نفسها أمام الباب وانهارت؟ أصارت تحفرُ الرملَ بأظافرها كما لو كانت تبحث عنه؟ -حتى وإنن كان قلبُها قد فعل حقاً- لكن لا والله! بل كلّلت نفسها بالصلّابة والوجه المشرق ولم تُبطِّئ من عزيمة أحدٍ ولم تخذَل بنيان قوم؛ إذ تقف أم الشهيد وأخته وزوجته في أول الجموع، بوجه شامخ وصوتٍ ثابت، يقول وجهها: ها هو يشبهني، ويحكي قوامها بأن البطل جاء من صُلبي، وتصرّ عيناها: تالله إنه فرحٌ، لا باكيةً ولا منهارةً ولا مُذلَّةً.. تقدّم الواحدَ تلو الآخر من فلذاتِ أكبادها وتنجبُ أبطالاً، ما دام حبّّ الأرض فتياً فيها وسيظلُّ فتياً لا يشيخ!

 

منذ رأيتُ وجه أمّ الشهيد أحمد نصر جرّار، وأنا مُتأكدّة من أن هذا الشعب رضع الرجولةَ مع دمه، وأن نسائه لا تكّف عن إطعام أطفالها قومية الأرض، وأن الرجالَ هنا مصنعٌ للرجال. اعتادوا على إلا يرحلوا بشكلٍ اعتيادي منذ أكثر من سبعين عاماً واعتدنا على خُذلانهم! ما أضعفنا أمام قوتهم، وما أعنَدهم أمام تجاهلنا.

 

أما أنتِ أخت الشهيد تفاخري، أنتِ من يحق لها التفاخر، دون نسبٍ دون مالٍ دون عطرٍ ولا تزيين.. عطر الشهادة كان حاضراً فيكِ، وعطر الرجولة بأبيكِ وأخيكِ قد تضاعف عن كل عربي ضعفاً

وها هم في مسيرة العودة الكبرى من غزّة الصمود إلى شتات العالم أجمع، يحتشدون ويثورون للأرض في يوم الأرض، يرفعون شعاراً: هُنا فلسطين، أرض الأسير الباسم والثرى الزكيّ بالدماء، هُنا فلسطين.. وجه العرب الأول الذي يُجبرهم على لثام وجوههم حياءً .يقمعون الرصاص بوحدة أجسامهم، لا يضرّهم من خذلهم منّا ويؤكدون بأنهم عائدون لا محالة.. يقدمون للشهادة قرباناً باسمةً وجوههم، يعلنون أن حق العودة لا يغيّره وطنٌ بديل ولا سفارةٌ مزيفةٌ باطلة، يقلِبون طاولة السلام والمفاوضات على رؤوس أصحابها، ويعطوننا فرصةً ضخمة لفعلٍ مغايرٍ عن الدعم البارد الذي اعتدنا عليه.

 
الشعب فيها لا يُركن على سلطةٍ ولا على جيشٍ ولا على مقاومة، بل على الفرد الواحد، وطفلُ العاشرة شهيد الغد.. اسمها فلسطين في قلب طفلٍ رضيع وفتىً واعدٍ وفتاةٌ تُزّف بالأقصى.. اسمها فلسطين في قلب رجلٍ كُلما هُدِّم منزله أعاد بنائه، واسمها فلسطين في قلوب المحبّين المُكتّفة أيديهم في بلاد حُكم الذُلِّ، ولا يحتاجون اعترافاً وضيعاً باسم ارضهم وتاريخها. هنيئاً لكم، ما دمتم احتفظتم بوجه عدوّكم ولم تنسيكموه " لهّايات" المغرّدين..، وهنيئاً لكم لأنكم المصدر الأول والوحيد الذي يحمل حضارة "عربيٍّ" في طياته!
 
ستعودون نعم،
ما دامت أمهاتكم تحتفظ بمفاتيح بيوتها القديمة،
ستعودون نعم،
ما دام كل جيلٍ ناشئ فيكم يثبت أنه لم ينسى قضية الأرض،
ستعودون ما دام شهيدُ العائلة لم يجعلكم تغلقون الباب على أولادكم خشية الموت!
الأرض لكم، وأنتم أحقُنا فيها.

 

أما أنتِ أخت الشهيد تفاخري، أنتِ من يحق لها التفاخر، دون نسبٍ دون مالٍ دون عطرٍ ولا تزيين.. عطر الشهادة كان حاضراً فيكِ، وعطر الرجولة بأبيكِ وأخيكِ قد تضاعف عن كل عربي ضعفاً.. عسى أن نتخذ جلادتكِ قدوةً لنا! وأنتِ أمُّه، كُنتِ وصرتي تُسميّن فلسطين.

 

لا تخف يا درويش، سيظلّ اسمها فِلسطين!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.