شعار قسم مدونات

بن سلمان.. البطل وضده

مدونات - بن سلمان
أكثر من ثلاثين لوحة إلكترونية عملاقة، على الطرق الرئيسية المؤدية إلى وسط لندن، عرضت صورة لولي العهد السعودي إلى جوار إحدى الجملتين، بالتناوب: هذا الرجل يغير السعودية، هذا الرجل يفتح السعودية على العالم. بصرف النظر عما إذا كان بن سلمان هو ذلك الشخص فإن الدعاية تلك، وقد نفذتها شركة مُستأجرة، ذهبت تؤكد معنى آخر عن السعودية: البلد شديد الانغلاق، البلد الذي لا بد من تغيير طبيعته.
 
بالنسبة للصحفي الإنجليزي هاغ مايلس، مؤلف "لعب الأوراق في القاهرة"، فالتغيير الذي يقوده بن سلمان هو زعزعة حادة للمجتمع أقرب إلى الصدمة والرعب منه إلى فتح الأبواب. يريد بن سلمان أن يحكم السعودية لنصف قرن، وفقاً لرغبته التي أفصح عنها لوسيلة إعلامية أميركية. بطريقة ما توصل الرجل إلى قناعة بعدم احتياجه لدعم المؤسسة الدينية، وأنه قادر على إنجاز استقرار سياسي في بلده عبر وسائل أخرى. دفعته تلك القناعة إلى نزع "الفيشة" عن المؤسسة الدينية، إذا استخدمنا كلمات جمال خاشقجي.
 

استورد السعوديون التكنولوجيا، بما في ذلك التكنولوجيا ما بعد الحديثة. إجمالاً لا يمكن اعتبار التكنولوجيا مادة محايدة، إذ هي تحمل معها نموذجها المعرفي والفلسفي

تبدو المؤسسة الدينية السعودية، حتى اللحظة، مذعنة وهي تشاهد الأبواب المفتوحة والأبواب التي سُتفتح. هذا الاستسلام الشامل لا يمكن تفسيره بـ "الرعب" أو "الصدمة الحادة"، وحسب. في الواقع ثمة عملية تحديث بنوية آخذة في الاتساع منذ مطلع الثمانينات.  كان التحديث الثقافي والاجتماعي أحد مشاريع الملك فهد بن عبد العزيز الذي وصل إلى الحكم في صيف ١٩٨٢. في السنوات الأولى من حكمه سيطر المثقفون الحداثيون على النوادي الأدبية والملاحق الأدبية، وكتب عبد الله الغذامي في صحيفة عكاظ، ١٩٨٦: إما أن أكون مثقفاً حداثياً أو لا أكون مثقفاً. أفسحت قصيدة النثر لنفسها مكاناً، ولحقتها الرواية، وطفت حياة المجتمع السعودي على السطح ملقية بكل أسرارها ومعادلاتها. تنبأ عبد الله السريجي، أحد أبرز مثقفي تلك الحقبة، بأن تفضي الحداثة الثقافية إلى تحديث اجتماعي في نهاية المطاف. لنقرأ ما قاله عبد الله الغذامي في حديثه مع الباحث الفرنسي ستيفان دوكرا: "كنا سنة ١٩٨٠ نجد صعوبة في حشد الناس وملء القاعات أثناء المحاضرات. أذكر مرة استدعينا فيها أستاذاً مصرياً كبيراً، ولتلافي الإحراج جلبنا عمالاً من الحي كنا وعدناهم بالطعام. ولكن منذ ١٩٨٥ تغير كل شيء ومررنا من قاعة فارغة إلى قاعة يحضر فيها ألف مشاهد دفعة واحدة".

 
في العام ١٩٨٤ أسس إسلاميو السعودية "رابطة الأدب الإسلامي" في بلد كان يُقدم، حتى تلك اللحظة، بوصفه بلداً إسلامياً صميماً، بما في ذلك أدبه وفنونه. أحس الإسلاميون بالخطر الذي يحيط بفكرتهم حول طبيعة البلد، وبالمدى الذي يمكن أن توصِل إليه عمليات التحديث الثقافية. مثل السريجي رأوا أن التحديث الثقافي يمكن أن يسرق منهم المجتمع في الأخير. كان تأسيس تلك الرابطة هو الرد الذي استطاعه الإسلاميون السعوديون وهم يشاهدون اسم أدونيس منافساً حقيقياً لاسم الألباني الذي أريد له أن يكون حاكماً فعلياً للمملكة السعودية. بعد وفاة الملك فهد بعامين، تحديداً في العام ٢٠٠٧، امتلأت رفوف المكتبات السعودية والعربية بـ ٦٥ رواية أنتجها كتاب سعوديون من الجنسين في عام واحد. لقد ترك المشروع الثقافي للملك فهد أثراً بالغاً في الحياة السعودية، وأنتجت الحداثة الثقافية تغييراً اجتماعياً واسعاً. فالسعوديون الذين سجلوا الرقم الأكبر ضمن قتلى "الجهاد الأفغاني"، قبل ثلث قرن من الزمن، تخلوا عن مكانتهم تلك في الحربين السورية والعراقية اللتين ستنفجران في العقد الثاني من الألفية الجديدة.
 
استورد السعوديون التكنولوجيا، بما في ذلك التكنولوجيا ما بعد الحديثة. إجمالاً لا يمكن اعتبار التكنولوجيا مادة محايدة، إذ هي تحمل معها نموذجها المعرفي والفلسفي. وهي تشير لا إلى العقل الذي ابتكرها وحسب بل إلى المناخ العام الذي سهل إنتاجها. وبقدر ما تثير التكنولوجيا الحديثة الإعجاب فإنها تنقل ذلك الإعجاب إلى الحياة العامة التي جعلتها ممكنة: إلى الحرية، التنوع، الديموقراطية، سيادة القانون، والإبداع غير المقيد. ثمة عمليات تحديث بنيوية سعودية آخذة في الفعل والحركة منذ عقود، وهي تكسب أرضاً وفضاء على نحو متصاعد. الأبواب التي بقيت مغلقة لا تعني أنها كانت مغلقة على بلد ميت، كما توحي الدعاية التي ترافق صورة ولي العهد.
  

لا يبدو، حتى الآن، أن المجتمع السعودي قد تعرض لصدمة وهو يشاهد ولي العهد يفتح الأبواب، فالمجتمع كان يعيش حداثته من الداخل
لا يبدو، حتى الآن، أن المجتمع السعودي قد تعرض لصدمة وهو يشاهد ولي العهد يفتح الأبواب، فالمجتمع كان يعيش حداثته من الداخل

بالطريقة نفسها استسلمت الكنيسة الأوروبية وهي تشاهد الناس يديرون ظهورهم لها ويتجهون إلى السوق. زلزل السوق، على نحو هادئ، سلطة الكنيسة، ومع الأيام أنتج السوق الثقافة التي تعبر عنه، وانعكست أهمية السوق على مثقفيه الذين سيسحبون الكثير من القيمة الاعتبارية التي منحها التاريخ لرجال الكنيسة. في نهاية المطاف جمعت الكنيسة أشياءها وذهبت، هي الأخرى، إلى السوق. عبر هذه الآلية التاريخية، كما يلاحظ المؤرخ الكبير جاك لوغوف، خسرت الكنيسة صراعها مع المجتمع من دون إراقة للدماء.

 
في خطاب شهير، ١٩٨٦، قال ريغان، وهو يشير إلى جدار برلين: اهدم هذا الجدار يا غورباتشوف. بعد ثلاثة أعوام سقط الجدار من تلقاء نفسه، وسيذهب غورباتشوف بعد ذلك إلى "الغرب" ليكتب مقالات عن ملاءمة الحياة الليبرالية للإنسان العالمي الجديد. لا يبدو، حتى الآن، أن المجتمع السعودي قد تعرض لصدمة وهو يشاهد ولي العهد يفتح الأبواب. بقيت الأبواب مغلقة لكن المجتمع كان يعيش حداثته من الداخل.
 

يمكننا إلقاء النظر، مرة أخرى، على ما كتبته رجاء الصانع في "بنات الرياض، ٢٠٠٥" لنشاهد حياة النساء هناك، حيث المال والموضة والتكنولوجيا والموسيقى والعلاقات العاطفية المتقاطعة والخيال ما بعد الحداثي. كانت "بنات الرياض" الشرح الأخير للحقيقة الجديدة، وذلك سبب الخضة التي أحدثتها الرواية. وبمقدورنا القول إن خصوم الرواية لم يكونوا ينوون مهاجمتها بقدر ما كانوا يحاولون إخفاء الحقيقة وصرف الأنظار.

 
كما لو أنه كان كافياً أن ينزع بن سلمان "الفيشة" عن السلطة الدينية لنشاهد المجتمع الذي حلم به السريجي قبل ثلث قرن من الزمان: المجتمع المفتوح. بيد أن المسألة ليست بهذا القدر من اليسر. فالنموذج التونسي يعلمنا أن نأخذ أبسط الملامح على محمل الجد. المجتمع الذي انتقل من الديكتاتورية إلى الديموقراطية خلال أيام قلائل أثار حفيظة قطاع كامن فيه. وبمقدار ما كانت التجربة الديموقراطية تتصاعد كان الإرهاب التونسي العابر للحدود يذهل العالم. إنه شكل حاد من أشكال المعاوقة والرفض، الماضي الذي يرفض أن يموت في مداهمة ليلية، ويعبر عن حضوره بأكثر الأشكال وحشية.
  undefined
 
في الحقبة الأولى من التحديث، حقبة الملك فهد، أسس الإسلاميون السعوديون "رابطة الأدب الإسلامي"، في محاولة لمنع "رولان بارت وجاك دريدا" من الهيمنة على المجال الثقافي. ثمة ماضي عريق في الجزيرة العربية، وهو لن يسمح لنفسه بالهزيمة، وربما لن يحزم أشياءه كما فعلت الكنيسة ويذهب مع الناس إلى الشوارع. من الأخطاء المبكرة لبن سلمان أنه وضع الإسلاميين الذين أسسوا "رابطة الأدب الإسلامي" في المعتقلات وأبقى في الخارج على الإسلاميين الذين لا يحتجون بتلك الطريقة الناعمة. ربما ذلك هو ما أراد أن يشير إليه هاغ مايلس، الصحفي البريطاني الذي ولد في السعودية، وهو يتحدث عن زلزال يضرب المجتمع السعودي.
 

دعونا نتذكر ما حدث في العام ١٩٧٨ في إيران: قام بعض رجال الخميني بإغلاق أبواب سينما ريكس وإضرام النار فيها. التهمت النيران قرابة ٦٠٠ إيرانياً، وفي الحال ألصقت الجريمة بنظام الشاه. تدحرجت الاحتجاجات، وكبرت كرة النار. بعد أشهر جرفت ثورة عارمة حكومة الشاه ووضعت الخميني شاهاً جديداً. فشل الماضي التونسي في إلقاء القبض على الديموقراطية، لكن محاولة أخذ الديموقراطية إلى الماضي، كما جرى في مصر، كانت كافية للقضاء عليها. وفي كل الأحوال تستطيع القوى المعادية للتحديث أن تشعل النار في دار للسينما، في بلد كان يملك آنذاك ٩٠٠ دار سينما، لتقلب نظام الحكم رأساً على عقب.

 
لا يرسل بن سلمان إشارات تقول إنه واعٍ بهذه المعادلات الحرجة التي قد تطوح بعملية التحديث السعودية الجارية منذ عقود. فهو محاط، كما يقول توماس فريدمان، بمراهقين مشحونين بالتستيستيرون. يغريه "نادي الصبية" بالتحركات الأكثر خطورة، ولأنه حاد الطباع فهو لا يحصل على أي نصيحة ثمينة من المحيطين به، وفقاً لفريدمان. في المحصلة يفتح بن سلمان الباب لعملية تحديث غير مستندة إلى "حكم القانون"، وغير محاطة بإصلاحات حقيقية على مستوى المؤسسات. بموازاة التحديث الاجتماعي ـ الثقافي هناك شخصنة للقوة في السعودية ستجعل البلد يبدو، في نهاية المطاف، وكأنه مجرد نزوة من نزوات ولي العهد. من هذا الجانب يمكن مشاهدة "البطل" بن سلمان وهو يلعب دور "ضد البطل" في الوقت نفسه، يخاصم الحداثة التي ينشدها وينصب لها فخاخاً عميقة قد تقضي عليها مبكرا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.