شعار قسم مدونات

الأسلوب الحكواتي في خطب الجمعة

blogs خطبة الجمعة

ابتداء أكن كل الاحترام والتقدير للشيوخ الأفاضل ولجميع البشر عامة وما نكتبه خواطر وآراء شخصية ليس بالضرورة تكون قواعد جازمة قاطعة.

 

تعد خطب الجمعة من أهم روافد بناء ثقافة الإنسان الدينية إن لم تكن لكثير من الناس الرافد الوحيد، ولذلك ما يقال فيها من كلام ينبغي أن يكون مختارا بعناية فائقة وحساسية مفرطة، فالخطبة ليست من أجل الخطبة، والكلام فيها ليس من أجل السجع والجناس والطباق، بل رسائل تبغي بناء معين فكري للإنسان تؤهله لمواجهة قضايا كبرى في حياته، ولهذا ليس كل ما يعرف يقال فيها، ولا كل ما تقع عليه اليد والعين من مصادر تكون مادة لها، فكل موضوع يختار، له سببه وزمانه ووقت محدد له (من حيث الإلقاء ومدته) فهذا موضوع ينبغي أن يستكمل بعدة خطب وهذا موضوع ينبغي أن لا يتجاوز 15 دقيقة.

  
كما إن الخطبة ينبغي أن يكون لها رسالة واحدة واضحة ومركزة وقابلة للفهم والتطبيق ويسمونها بـ "وحدة الموضوع" وتدور الأدلة والشواهد حول هذا الموضوع تحديدا دون تشريق أو تغريب، إلا أن ما نشاهده هو أسلوب غالبا ما يطغى على الخطيب والخطبة وهو الأسلوب الحكواتي "مقتبس من حكاية" فيتم سرد الكلام وبشكل مسهب إذ تبدأ الخطبة بالحمد والثناء مع الإطالة فيهما كما يلاحظ إعطاء مساحة أكبر للرسول -صلى الله عليه وسلم- في مقدمة الخطبة عند ذكر الشهادتين دون أن يأخذ لفظ الجلالة ذات المساحة، يضاف لذلك أن هذه المقدمة قد حفظت تماما من قبل المتلقين حتى لو تم تغيير مفرداتها، والاطناب فيها يقطع خبل التواصل الذي بدأ للتو مع المستمع.

 

الحكايات التي تجعل الخطيب مقبولا لدى هذه الشريحة أو تلك، سريعا ما سينقلب أثرها سلبيا عليه، فهذه الحكايات-المحببة إلى المتلقي البسيط وغير الموثقة والموضوعة أحيانا- ستصطدم ولا شك بلحظة تفكر عقلي

كذلك الدعاء وصيغته، فيلاحظ أن هناك دعاء طويل نسبيا قبل انتهاء الخطبة الأولى ثم دعاء آخر بعد انتهاء الخطبة الثانية، ففضلا عن اعطاءهما مساحة طويلة يلاحظ أن الدعاء عادة ما يكون مكرر وبلا وعي أحيانا -يتولى العقل الباطن للخطيب والمستمع التعامل معه-. أما الوضوح الأبرز لأسلوب الحكواتي فيكون عند ذكر القصص والحكايات بمناسبة أو دونما مناسبة (للقصص بلا شك فوائد عظيمة ولكن ينبغي أن تختار بعناية شديدة من حيث علاقتها بالموضوع وثبوت القصة وموثوقيتها وعدم تعارضها مع أصل أو فهم أساسي للدين) فتأتي القصة وتأخذ حيز زمني وكلامي، نعم إنها تؤثر لكن تأثيرها وقتي وعاطفي أما ضررها فشديد، خذ مثلا في إحدى الخطب ذكر الخطيب رواية (حكاية) أن الدنيا تأتي يوم القيامة على شكل امرأة قبيحة جدا -ونحن إذ نتحفظ على تشبيهها بالمرأة ابتداء- فإننا نلاحظ أنها بعد أخذ وعطاء معها -كما في الحكاية- يتم إلقاءها في النار! فتصرخ تريد اتباعها معها فيقام بإلقاء اتباعها خلفها في النار.

 

وهنا نسأل هل الدنيا مكلفة أو مسؤولة ولها إرادة وإدراك حتى تحاكم؟ ثم ما ذنبها هي أن كانت قد خلقت خضراء جميلة وبعدها تلقى في النار وهي ليست مكلفة؟ إن الأسلوب الحكواتي يأتي بهذه القصة لكي يثير المستمع ولا يدري أنه يحدث شرخا في أصل فهم الدين ومصدر المعلومة فيه، فليس كل ما ورد في هذا الكتاب أو ذاك حتى إذا ما كان موسوما بالصحة ينبغي اعتماده بل عرضه على القرآن أولا ثم صحيح السنة الذي لا يعارض القرآن ثانيا.

 
إن الأسلوب الحكواتي يجذب الانتباه ويترك أثرا ويحرك العواطف ولكنه لا يصنع مسلم واعي وعملي، ولا عقيدة دينية صحيحة، بل يسبب إشكاليات فكرية وفجوات علمية، ليس لها أول ولا آخر. إن الخطبة رسالة لزمان ومكان محددين وليست عرض عضلات فكرية ولا مسابقة صوتية، فربما تكون الخطبة كلمات معدودة أو دعاء خاشع ذليل فقط؛ إذا ما اقتضى الزمان والمكان ذلك! والحكايات التي تجعل الخطيب مقبولا لدى هذه الشريحة أو تلك، سريعا ما سينقلب أثرها سلبيا عليه، فهذه الحكايات -المحببة إلى المتلقي البسيط وغير الموثقة والموضوعة أحيانا- ستصطدم ولا شك بلحظة تفكر عقلي لا بد وأن يمر بها المتلقي، عندها سيخسر الخطيب تأثيره وتراود الشكوك المتلقين بجدوى هذه الخطب أساسا، فإذا بنا في نهاية المطاف أمام خسائر تتراوح، ونحن أحوج ما نكون لنجاحات إيمانية وفكرية ومجتمعية في وقتنا العصيب هذا.

  

طريقان لا ثالث لهما أمام أي خطيب أو خطبة، طريق سالكة ذلول سهلة الولوج، دونما عناء شديد أو استفراغ جهد وهو طريق قص الحكاية تلو الأخرى، وطريق ثاني، وعرة أرضيته، طويلة نهايته، شاقة سلوكه، طريق إعمال الفكر، وبذل الجهد، واستخراج درر الإسلام من القرآن والسنة الموافقة له، وتخطيط الخطبة وقراءة مصادر عدة لها، والبدء بالإعداد لها قبل انتهاء ليل الجمعة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.