شعار قسم مدونات

سوء فهم في موسكو

مدونات - روسيا

يمكن الجدل حول الفرضية التي تقول إن الديموقراطية هي الشكل الأفضل للحكم في العصور الحديثة. هذا الجدل سيصبح ممكناً على نحو أقل حين يتعلق الأمر بافتراض آخر يقول إن احتمال أن تندلع حرب بين دولتين أوتوقراطيتين يبدو ممكناً أكثر منه بين دولتين ديموقراطيتين. تشكل الأوتوقراطية، السلطوية الفردية، واحدة من بؤر اللااستقرار في العالم. فالحرب التي شنها النظام السوري ضد شعبه، على إثر مطالبته بالديموقراطية، أدت في آخر الأمر إلى زعزعة المجتمع الدولي. إذ يمكن القول إن موجات اليمين المتطرفة في أوروبا ما كان لها أن تحقق ذلك النجاح الكبير بمعزل عن استغلالها لمسألة "اللاجئين السوريين"، الذين هم ناتج مأساوي لحرب النظام مع شعبه.

 
راهناً، بعد نجاح ميركل في سحب الحزب الاشتراكي الديموقراطي SPD إلى ائتلاف السلطة، بقي الحزب اليميني المتطرف "البديل لألمانيا" القوة المعارضة الأولى في البرلمان. توصل أنهايمر، المحلل الاستراتيجي الألماني، إلى استنتاج مفاده أن تقارب "البديل" مع اليسار الألماني في البرلمان ممكن، هو أمر سيعني في النهاية أن "غير الديموقراطيين" سيشكلون المعارضة الرئيسية، فالحزبان يحوزان معاً ٢٥٪ من مقاعد البرلمان. بينما ستنهال السياط، خلال أربع سنوات، على الائتلاف الحاكم فإن غير الديموقراطيين سيحوزون رضا متصاعداً، وسيكون بمقدورهم استخدام كل فنون الديماغوغية السياسية للإيقاع بخصومهم في الحكومة. في الواقع، كما هي البروباغاندا الروسية، فإن الظواهر اليمينية المتطرفة تعمل على الترويج للفكرة التي تقول إن الديموقراطية على الطريقة الغربية هي العملية التي تخلق اللااستقرار وتجعل البلدان هشة في نهاية المطاف.

 

في ٢٠١٢ قدما أليشينا، من فرقة "پوسي رايوت"، أغنية "صلاة للشرير" تقول مقدمتها "يا أم يسوع، اطردي بوتين". دفعت ثمن الأغنية ما يقرب من عامين في السجن، ولم يكن ذلك كل شيء

بالأمس تحدث تقرير على راديو ألمانيا عن انهيار شامل لنظام القيم في روسيا. بحسب التقرير فإن روسيا مكان مناسب لشخص ينشط في كل ما هو غير قانوني وتخريبي. في الواقع، وهذا ما أشارت إليه كونداليزا رايس في مقال قبل عامين، لا يوجد كثيرون يذهبون إلى السوق الحديثة لشراء منتج روسي. فالإضافة التي تقدمها روسيا المعاصرة إلى الحضارة الإنسانية الراهنة تنحصر في السلاح والإنترنت الأسود.
   
لقد اختفى ما كان يأتي من روسيا، وما كان ممكناً أن يستمر بالتدفق منها: السينما، الموسيقا، الرواية، الشعر، كرة القدم، التكنولوجيا، الدراسات العلمية، وغير ذلك. في عالم الطب، على سبيل المثال، تبدو مساهمة المدرسة الروسية معدومة، وفي أفضل الأحوال فإن الشخص يعثر على أوراق علمية روسية بالاحتمال نفسه الذي سيحصل فيه على بحوث موريتانية أو بوليڤية. داخل النظام العلمي إجمالاً تبدو المساهمة الروسية شبه معدومة، ولا يرى النظام الروسي مشكلة في ذلك.

 
على الصعيد الفني، أيضاً، لم يعد المرء يشاهد أعمالاً روائية أو فنية كبيرة قادمة من روسيا. في الأشهر الماضية حدث ما يشبه الزلزال في المدن الروسية على إثر ما تسرب إلى وسائل الإعلام من مضمون لفيلم لا يزال قيد الإنتاج. يتحدث الفيلم، من المفترض، عن حياة آخر القياصرة الروس كاشفاً بعضاً من حياته السرية وتلك المتصلة بعلاقته بالنساء. تلقت دور السينما تهديدات واضحة ليس بالمقاضاة بل بإضرام النار فيها، وتحدث نقابيون وقادة شعبويون ورجال قانون عن خطورة عمل كهذا على الكرامة الوطنية الروسية. تدخلت الكنيسة أيضاً، وهددت كل من سيثبت أن له اتصالاً بفيلم يشوه حياة قيصر روسيا.

 

حاول الفيلم الروسي "لڤياثان"، الذي أنتج قبل عامين في الخارج، الاقتراب من المدى الذي ذهبت إليه السلطة في علاقتها مع الكنيسة، كما التخريب الأخلاقي المدمر الذي تحدثه السلطة في الكنيسة. أثار الفيلم، بالضرورة، غضباً داخل روسيا، غير أنه ترك شهادته المثيرة ماثلة للعيان. فقد عمل بوتين على إحياء الستالينية بعد أن طعمها بالكنيسة، ثم دفع كل منهما لتخريب الأخرى لكي يحصل على منتجه الخاص.

 

 

في ٢٠١٢ قدما أليشينا، من فرقة "پوسي رايوت"، أغنية "صلاة للشرير" تقول مقدمتها "يا أم يسوع، اطردي بوتين". دفعت ثمن الأغنية ما يقرب من عامين في السجن، ولم يكن ذلك كل شيء. فقد تعلم الروس درساً عن الأثمان الباهظة لقلة التبجيل. تعليقاً على الحكم قال بوتين، في لقاء تلفزيوني إنه قام بواجبه في الدفاع عن أخلاق الأمة الروسية. فالفتاة اختارت لفرقتها اسماً بذيئاً وصادماً، بحسب بوتين.

 
لن تصدر أعمال روائية عظيمة في روسيا هذه الأيام، وقد يكتب الروس، مثل باقي الشعوب، أعمالاً كبيرة خارج حدود بلادهم. في "فن الرواية" شعر ميلان كونديرا بالأسى لأن الديكتاتورية الروسية، في الحقبة الشيوعية، قتلت الإبداع الروائي في واحدة من أخصب أراضيه. فالأوتوقراطيات، يعتقد كونديرا، تفرض همينتها على شخصيات الرواية، وبطبيعة الحال فلا يمكن أن ترى النورَ أعمال فنية تمجد الحرية. تنبه النازيون لخطورة العمل الفني الحر على استقرارهم فأصدروا قراراً يحظر عرض مسرحية "زواج ڤیغارو" لبومارشيه في كل فرنسا، عقب احتلال النازيين لها. فالديكتاتورية السلطوية لن يكون بمقدورها أن تجلس على المقاعد الأولى لتستمتع إلى ڤيغارو في الفصل الخامس وهو يتداعى في مونولوغ داخلي طويل "إنك لم تتجشم سوى عناء مولدك، ولا شيء غير ذلك، فكيف حُزت كل هذه النياشين؟". تستند الديكتاتورية، في الأساس، على أولئك الذين لم يتجشموا كثيراً من العناء حتى يحصلوا على كل النياشين.

 
تقول حكاية قديمة إن مسلمي دولة الوليد بن عبد الملك تفننوا في العمارة لأن خليفتهم كان مولعاً بها، وأن مسلمي دولة سليمان بن عبد الملك تفننوا في شؤون الطعام لأن الحاكم كان مغرماً بالأطعمة واللذة. يكشف فيلم "حروب الشوارع في موسكو"، وهو فيلم وثائقي يعود إلى العام 2013، حالة مستدامة من القتال والصراع في الشوارع في روسيا على مر الأيام. يتجلى العنف الوحشي الذي تمارسه السلطة ضد أي شكل مدني للاحتجاج السياسي كما لو كان صراعاً في شارع في موسكو، أي داخل حالة مستدامة من العنف الشامل. يُحقن المواطنون بحديث عن الكرامة واستعادة سمعة روسيا كقوة عالمية. ثمة استعادة آلية ومتكررة لخطاب الأمة الروسية القوية المحاطة بالأعداء، وهو خطاب متجذر في التاريخ الأدبي الروسي يمكن ملاحظته في روايات القرن التاسع عشر الروسية، حد أن يذهب دويستوفيسكي في رسائله التي كتبها في سويسرا إلى القول إن المهمة الأساسية لروسيا هي أن تجد حلاً للمشاكل التي تصنعها أوروبا.

 

تماهي الموظف الروسي الرفيع مع هذا الخطاب الداخلي، في طبيعته، جعله غير قادر على إنتاج لغة تلائم التواصل مع العالم الخارجي. لقد تخيل ذلك العالم كصدى للجمهور في الداخل. قبل أيام وصف المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوڤ، إشارة الخارجية البريطانية إلى اسم "بوتين" في حادثة اغتيال العميل الروسي سكريپال بالخطأ الذي لن يغتفر، مستخدماً اللغة نفسها التي سبق استخدامها في إدانة مطربة الپوپ الروسية ماشا أليشا. يمكن الإشارة إلى مواقف روسية أخرى هدد من خلالها مسؤولون روس الآخرين الذين جاؤوا على ذكر اسم "بوتين" غير مقرون بما يستحقه من التبجيل.

 

 undefined

 
في العام ١٩٦٧ أنجزت سيمون دوبوڤوار روايتها القصيرة "سوء تفاهم في موسكو". يبحث الزوجان القادمان من باريس عن أثر للاشتراكية الخيرة، عن الإبداع والمقاومة، عن روسيا التي انتظرا أن تحمل الخير للمعذبين في الأرض فلا يجدان سوى "الأيام السوداء" التي تركها ستالين خلف ظهره، والبيروقراطية بالغة السخف، تقول الرواية. يأتي النص، وقد كتبته دوبوڤوار في لحظة مكاشفة ختامية مع الذات، على محاولة الحكومة إصلاح عطب في آلية صناعة كراسي مدرسية، وكيف تأخذ تلك العملية، العامرة بالسخرية، سنين طويلة. إنها روسيا الهشة من الداخل والتي لا تفتأ تقول للخارج كم هي قوية وقادرة.

 

كان ميلان كونديرا قد رأى في بوتين، دون أن يشير إلى اسمه، تجسيداً لستالين الذي تذكره كثيراً في "كتاب الضحك والنسيان". في روايته الأخيرة "حفلة التفاهة" نشاهد ستالين وهو يتجسس على وزرائه الواقفين في المبولة يتبادلون السخرية من قصته عن طيور الحجل. في ذلك المكان فقط، وهم متجهون إلى الحائط، كانوا قادرين على السخرية من ستالين.

 
ثمة هشاشة محضة وقاتلة داخل جسد تلك الدولة، فهي تخلط بين مفهومي "القدرة والقوة"، كما لاحظ الراحل أمين هويدي من قبل. لا تزال، كما كانت، تمارس الخلط ذاته. فهي تفتقر إلى المعنى الكلي للقدرة التي هي حشد من كل شيء، من الفن إلى التكنولوجيا ومن الديموقراطية إلى الصناعة الثقيلة. عوضاً عن ذلك تبالغ في استعراض القوة على الطريقة السوڤيتية، تلك التي كانت تتحدث عن صواريخ أسرع من الصوت لكنها تأخذ أعواماً طويلة لإصلاح عطب في كرسي. في النهاية، لاحظ هويدي، انهار العملاق ذو العضلات المفزعة لأن أعضاءه الداخلية، التي لا يراها أحد، كانت شديدة السقم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.