شعار قسم مدونات

"كل السوريين".. وخطاب التأبين الثوري

blogs سوريا

يعدّ إشكال الهوية والوجود السوري مادة خصبة للباحثين السياسيين والاجتماعيين، للتعمق في ماهية هذه الكينونة المعقدة حيناً والميتافيزيقية حيناً أخرى. فعلى خلاف ما تحدث به المنظرون لمفهوم الهوية، لم تولد الهوية السورية نتيجة رغبة مصيرية وإرادة حرة للأفراد الذين سكنوا ضمن حدود النطاق السوري، إذ ترسخت هذه الهوية نتيجة التقادم الزمني، حتى صبغ أفرادها بها تلقائيا. هذه الحالة التي زادت من مأساوية المشهد بعد انفجار الميادين بصدوح الحرية، وتحولها بعد ذلك إلى ساحة مفتوحة لحرب الهويات المتصدعة.

لقد احتضنت الخارطة السورية من أقصاها إلى أقصاها، طوائف وثقافات مختلفة ومتنوعة، ضمن حدودها الجغرافية وأحيانا "العاطفية" إلا أنها لم تنجح في احتضانهم داخل كينونتها التي ظلت حبيسة وهم، فكان الوجود بلا هوية والهوية بلا وجود. ما يعنيني اليوم في الحديث عن الهوية السورية، هويتان أساسيتان، الأولى اتخذت من التوحش عنوانا لها، والأخرى تجملت بالحرية فكان صراعها وجودياً مع ذاتها لتثبتها وتوضح معالمها، ومع البيئة المحيطة التي عملت على اغتيالها وقتلها في مهدها، أما المعول الفاصل بين هاتين الهويتين هو الثورة.

تهدف الحرب النفسية التي تخاض اليوم سياسيا وإعلامياً إلى جانب الحرب العسكرية، إلى إطفاء جذوة الثورة في نفوس من حملوها في الداخل والخارج السوري، والانقضاض على حاضنتها بالمدن السورية

بين الثورة ونقيضها تجمعت أشتات من الكينونات والهويات المختلفة وانقسمت عند التشظي الكبير إلى طائفتين من الناس، أو عرقين.. أسود وأبيض، خير وشر، جنة ونار، الإنسانية وحدها كانت الحاكم والفيصل بينهما، وإليها تستند منظومة المبادئ التي تصيغ أبعادها. في سوريا المختلفة دينيا وعرقياً، حالة من الانفصام الإنساني سيطرت على المشهد وسادته طيلة سبع سنوات مضت، توحش لا متناه لفئة من السوريين ضد أخرى، أظهر بوضوح وهم ما قالوا عنه يوما "عيش سوري مشترك". هذا الوهم الذي كان حاضراً مستتراً وراء جدران الصمت، بفعل السياسة التي انتهجها نظام الحكم عبر عقود من الزمن، فهذا الخليط اللامتجانس أصلاً، ظل عبر سنوات مقسماً إلى قسمين رئيسين، شبيحة الدولة من طائفيين ومستفيدين ومضللين، وقسم آخر مغلوب على أمره كان ضحية الفاشية بعد 2011.

ما سبق رأيناه جلياً، واتضح بما لا يدع مجالاً للشك، في حمص وحلب ودير الزور وإدلب ومؤخرا في الغوطة الدمشقية، وأسقط مع أول قطرة دم "صُفق لها" كل عيش مشترك. أطفال في الغوطة الشرقية وقبلهم في حواضر عدة، يقدمون قرابين لبوتين وترمب وخامنئي ومعهم الأسد، وسط تصفيق وتهليل من كانوا يشكلون بوجودهم يوماً نسبة مئوية من الشعب المقتول ذاته، واليوم يشاركون بقتل الأبرياء بشفاعة رموز مجرمين تُعلق صورهم على صدورهم كنياشين فخر واعتزاز. يبرز اليوم بعد سنوات من النضال الثوري، فئة تتخذ من التمييع قالباً لها، ضمن توجه نحو البحث عن هوية مشتركة تجمع القاتل والمقتول في سلة واحدة، وتحت سقف واحد، بدعوى ردم الهوة الأهلية، عبر برامج سياسية وإعلامية مفضوحة، لا تعير للمبادئ بالاً، أو للدماء وزناً.

هذه البرامج التي تعكس ربما توجهاً دولياً، يوازي ما يحدث على الأرض وفي المحافل الأممية، من تسطيح لأزمة السوريين الإنسانية بالدرجة الأولى، حيث تهدف الحرب النفسية التي تخاض اليوم سياسيا وإعلامياً إلى جانب الحرب العسكرية، إلى إطفاء جذوة الثورة في نفوس من حملوها في الداخل والخارج السوري، إلى جانب الانقضاض على حاضنتها في المدن والازقة والشوارع السورية، لإعادة صياغة وعي جمعي جديد لا يقوى على مقاومة مخططات التأثير الذهنية والعاطفية، ليصاغ عبرها مجتمع متجانس مع السفاح، يعكس هوية جديدة تسبل عليها بلاهة رمادية اللون، على الحياد من كل شيء.. حتى المبدأ.

الفخ الذي يريدون أن يسقطوا من لا زال باقياً على الثورة في نفسه، بمصيدة
الفخ الذي يريدون أن يسقطوا من لا زال باقياً على الثورة في نفسه، بمصيدة "الكل" الشنيعة ومقاومة نغمات "التأبين الثوري"

فتعود سمة الخنوع هي السائدة في المجتمع السوري، تحت سكين السلطوية الفردية والجماعية، تماما كالفئة الصغيرة التي بقيت تردد الشعارات المتصوفة الحيادية، وتطلق على الثورة لقب الأزمة، بحجة وقوفها على الحياد من الطرفين، إلا أن حيادها كان ميلا لا شعورياً إلى نكران الخط الشعبي "الثوري"، والسخط الضمني على كل ثائر، فهؤلاء لم يتمنوا يوماً أن تقوم ثورة في البلاد، تعيق مصالحهم، وتعبث بمعيشتهم المستقرة.

ذاتهم تتلاقى مصالحهم اليوم، للانقضاض على ما تبقى من حاضنة ثورية " أقلها في النفوس"، عبر دس السم في العسل. قد تجدونهم اليوم عبر التلفاز وفي سطور الصحف والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعي. إنه الفخ الذي يريدون أن يسقطوا من لا زال باقياً على الثورة في نفسه، بمصيدة "الكل" الشنيعة، والازمة المستقبلية التي لا بد من مواجهتها بثبات المبادئ ومقاومة نغمات "التأبين الثوري".

هذا الحديث ليس رفضاً لإعادة صياغة مفهوم الوحدة الوطنية، وتشكيل هوية سورية مستقبلية، لكن لا بد أن يكون ذلك على أسس قويمة، تعزل القاتل عن المقتول في خطابها السياسي و"الإعلامي"، وتنادي جوانب الحق في القضية، دون أن يتم ذلك فوق الجروح المثخنة، والتبريرات الساقطة لمجرمين لبسوا فجأة ثوب الثورية والفضيلة وساووا بين الجلاد والضحية، ثم راحوا يطلقون تصنيفات الإرهاب على من يعانون سطوته بعباءة الشرعية الدولية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.