شعار قسم مدونات

الشرودنغريون والداروينيون وجلسة مع كوب قهوة

blogs قطة شرودنغر

لم أكن يوماً من أولئك الذين يغمطون فيزياء الكم حقها من التقدير. إلا أن تقديري لها لم يكن يتجاوز الاعتراف بما كان لها من فضل في سبر لأغوار كون الذرة ودفع العلم قدماً من تلك الزاوية فائقة الصغر. ورغم أنني كنت استمتع بالغوص في دواخلها، إلا أنني كنت أتوقف عندما أصل إلى أمثولة "قطة شرودنغر"، واعتبرها محض سفسطة علمية بلا قيمة حقيقية.

قطة محبوسة في صندوق مع زجاجة من مادة شديدة السمية ومادة مشعة وعداد غايغر، ومطرقة. احتمال أن تبدأ الذرة الأولى من المادة المشعة بالانحلال بعد مضي أول ساعة هو خمسون بالمئة. إذا انحلت المادة المشعة، فإن عداد غايغر سيقرأ الإشعاع وسيشغل مطرقة ستكسر بدورها زجاجة السائل السام، مما سيقتل القطة على الفور. إذاً، بعد مضي ساعة على بدء التجربة، سنفتح الصندوق. قبل لحظة فتحه تماماً، هل القطة حية أم ميتة؟

الجواب الذي اقترحه شرودنغر هو أن القطة ستكون في حالة مركبة من الموت والحياة. أي أنها ستكون حية وميتة في آن واحد. وكان هذا هو الجواب الذي جعلني أفكر أن الأمثولة كلها لا تتعدى كونها سفسطة علمية فارغة. أي قطة في العالم هي تلك التي تكون حية وميتة في آن واحد؟ هل هناك شيء كهذا في العلم؟ حتماً لا! في اللحظة التي تسبق فتح الصندوق فإن القطة ستكون إما ميتة وإما حية.

 

حينما يفكر عقلنا البشري، الذي يعرف القطة جيداً ويختزن مفهوماً محدداً لحالة موت القطة أو حياتها، من داخل صندوق شرودنغر، سيتوقف عند حتمية وجود القطة في حالة معينة: إما حية، وإما ميتة

لا شك بأن حديث شرودنغر عن إن فتحنا للصندوق سيدفع نحو حالة معينة للقطة، أي أنه سيتدخل في التجربة، منطقي. إلا أن هذا لا ينفي أن القطة قبل فتح الصندوق ستكون إما حية أو ميتة. الفرق هو أننا بعد فتح الصندوق فإننا سنشهد حالة القطة ونعرف إن كانت حية أم ميتة، أما قبل فتح الصندوق، فلا. ومعرفتنا لحالتها من عدمها لا يؤثر، فعلياً، على حقيقة حالتها.

لكن تسلسل الأفكار التالي جاء كدفقة شلال: تذكرتً معلمة الكيمياء وهي تقف أمام اللوح مرتبكة، تحاول بأبسط كلام ممكن أن تشرح لنا مفهوم النموذج الكمي للذرة، وتحاول أن تدفع عقولنا قليلة الخبرة لفهم أن كل هذه البالونات الملونة التي تتزاحم في صور الكتاب حول نوى الذرات هي ليست أشكال الإلكترونات، وإنما أشكال تصف الاقتران الاحتمالي لمكان وجود وماهية الإلكترونات في لحظة من اللحظات. لوهلة، تجاورت الصورتان العقليتان في مخيلتي: النموذج الكمي للذرة، وقطة شرودنغر. وأضاءت تلك الفكرة فجأة: لقد فهمت! حتماً فإن القطة قبل فتح الصندوق ستكون حية وميتة في آنٍ معاً!

حينما يفكر عقلنا البشري، الذي يعرف القطة جيداً ويختزن مفهوماً محدداً لحالة موت القطة أو حياتها، من داخل صندوق شرودنغر، سيتوقف عند حتمية وجود القطة في حالة معينة: إما حية، وإما ميتة، ولن يستطيع أن يتجاوز فكرة أن لحالة القطة ماهية معينة بغض النظر عن معرفتنا لها أو إمكان قياسها من عدمهما. أما حين يفكر من خارج الصندوق، وحين ينظر إلى صندوق شرودنغر بما فيه كمعطى واحد، أو كوحدة واحدة لا يمكن تجزئتها، فسيتجاوز حقيقة أن لحالة القطة ماهية معينة محددة، إلى القبول بمعرفة ما يمكن معرفته عن حالة القطة داخل الصندوق قبل فتحه. فيعبر عن حالة القطة قبل فتح الصندوق بأنها في حالة مركبة من الموت والحياة. بمعنى آخر، فإننا لن ننظر إلى الصندوق على أنه أكثر من صندوق يحتوي على قطة هناك احتمال خمسين بالمئة أنها قطة حية وخمسين بالمئة أنها قطة ميتة.

بنفس هذا المنطق العبقري، تجاوز فيزيائيو الكم السجالات الطويلة التي طالما أحاطت بتصور نموذج معين للذرة وجسيماتها، وتوصلوا إلى صيغ رياضية تصف الكثافة الاحتمالية لوجود الإلكترون في الفراغ المحيط بالذرة وكتلته. أي أنهم تجاوزوا الجدال الذي يصعب حسمه حول ماهية جسيمات الذرة، واكتفوا بما يمكن قياسه على أرض الواقع، وحاولوا الوصول إلى صيغ رياضية تمكنهم من فهم سلوك الذرة وجسيماتها. أي أنهم تجاوزوا ما لا يمكن وقد لا يفيد إدراكه، إلى ما يمكن ويفيد إدراكه.

سعيدةً بفهمي الجديد لأمثولة القطة الشهيرة، ومعجبةً بالقفزة النوعية التي أحدثها فيزيائيو الكم في التعامل البشري مع العلم، فكرت في نظرية التطور وكمية الاستقطاب حولها ما بين مؤمن بها ومؤمن بكونها شراً محضاً. شعرت بالتعاطف مع هذه النظرية التي تمكنت من كسر الغموض حول الكثير من الظواهر التي حيرت الإنسان طويلاً، لكنها رغم ذلك أخرجت من سياقها العلمي واستخدمت سيفاً في نزالات العملاقين الجبارين: العلم والدين.

ربما لو تناول أحدهم فرضيات نظرية التطور بنفس المنظور الذي تناول منه فيزيائيو الكم نموذج الذرة، سيكون وقعها على مجتمع العلم مختلفاً. ربما لو تم تجاوز إسقاطات نظرية التطور الفلسفية والدينية، وإخراجها من جدالات الأسئلة الوجودية التي لا يمكن ولا يفيد إدراكها، وإعادة صياغتها بما يتناول "السلوك" دون الخوض في "الحقائق والماهيّات"، سنسمع يوماً بقفزة نوعية تطورية في علم الأحياء. ربما يسمونها أيضاً أحياء الكم! ربما تكون البداية في أن ندعو الشرودنغريين والداروينيين إلى جلسة هادئة على طاولة القهوة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.