شعار قسم مدونات

بروتوكول الغرام أيام زمان

blogs رسائل حب

كانت مِن بينٍ الأحاديثٍ الكثيرة التي كنتُ أؤثثُ بها جلساتي مع العم عبد الله، رحمه الله، وقد كان قيدَ حياته يشتغلُ في فرنٍ تقليدي، يَحرص على الخبز وطهيه، -فرناتشياً- بالمُصطلح العامي المغربي، بجوار بيتنا بمراكش، تلكَ التي تعودُ للماضي، بفساحة وقته وبشاشة أهله وبركة العيش فيه، فتنهل تلكَ الدردشاتُ من حميمِ ما فقدناهُ في زمننا هذا وتغوصُ في تفاصيل الزمن الجميل، الذي وإنْ لم يخلُ بدوره من ضنك العيش إلا أنَ حُلوَه فاق المُر فيه بكثير. أُجالس العم عبد الله في الفرنِ يَلفحُنا الحرُ المُنبعثُ كُلما فُتحت تلك الفوهة الصغيرة التي تتوسطُ بيتِ النار مُطلةً عليه ببابها المُقوس فتزيدُ القصصَ عبقاً برائحة الخبز الأصيلة الممزوجة بلهيب الخشب المُسخر لطهيه..

كانَ أجملُ ما في تلك الأحاديث عفويتُها، استرسالُها الزمَكاني، تنوعُ شخوصها وتفاصيلها الدقيقة وكأَنكَ بصدد مشاهدةِ فيلم مُكتملٍ حبكةً وإخراجاً. حكى لي العم عبد الله رحمه الله من جُملة ما حكاهُ عن الحبِ أيامَ الطيبين، حينَها كانتْ الحشمة سمةَ لا تُضاهيها سماتٌ أخرى وقد سرتْ في أواصر المجتمعات آنذاك تعبيرات وقيم محافِظةٌ أصيلةٌ تكادُ تكونُ موحدة للمجتمع، كنتُ ألمسُ في عينيهِ وهو يسردُ لي ما عاشهُ وعايشهُ حنيناً وشوقاً لذكريات جميلة وتحسراً على ما آل إليه زمننا من تصنعٍ في الأحاسيس وتقهقرٍ في القيم.

يجدُ من لم يُساعفهم أسلوبُهم الأدبي أو مستواهم العلمي ضالتَهم في كتب رسائلِ الحُب التي تحوي عشرات النماذِج من الرسائل التي تختلفُ حسبَ اختلاف ظروف كتابتها

كانَ الحبُ زمنَ الطيبينَ عفيفاً لا تشوبهُ مآربُ دنيئة أخرى ولا هُو أداة لقضاء أوقات عابرة، حتى أنَ الساردَ حكى لي ذاتَ مرة أنَ رؤية الحبيبِ لحبيبته عن بعد أمتار صدفةً ودون سابقٍ إعلام مرةً في الأسبوع أو حتى في الشهر كانَت بمثابةِ عيدٍ يُمطر على القلبِ شئابيب الفرحِ والاطمئنانٍ وتُسرُ فيهِ العينُ لرؤية المحبوبِ وتطمعُ فيه الروح للالتحامِ بنصفها الثاني في الحلال، كانتْ كلُ تلكَ الأحاسيس المُتراكمة تحفظُ الكبرياءَ للاثنين، فلا الذَكرُ يجرؤ على التقليل من شأنِ وقيمةِ الأنثى وهيَ عزيزةُ النفس مهابةُ الجانبِ ولا هذهِ الأخيرة ترضى لنفسها أنْ تتَحملَ أذى الاستهانة بكينونتِها وهي عزيزةُ القدر عند أهلها.

مِنْ جُملة ما حفلِ به الأمس واندثر اليومَ تلكَ الرسائلُ المُصاغة بعناية، تُنتقى كلماتُها وَجُمَلها بما يُمليه القلبُ وتتخيلُه الذاكرة، تُخط الورقة الأولى فالثانية والثالثة إلى ما إلى ذلك من نُسخٍ حتى تُنتجَ تلك الرسالة المنشودةُ التي تُشفي غليل الشوقِ بنسجِها لبديع الكلمات وجميل الأوصاف. كان بروتوكولُ العشاقِ حينها يقتضي رشَ بعض العطر على جنبات الرسالة، حتى إذا وصلتْ للمحبوبِ تناغمتْ هي والكلماتُ وأَصدرتْ مفعولها السحري وجعلتِ حواس قارئها متفاعلةً مع ما تمُر عليه العينُ وما يتمثلُ للمُخيلة.

بَلغني أن قراءة أي رسالةٍ حينها من المحبوبِ تقتضي طقوساً خاصة تليقُ بمقام المناسبة، يركنُ قارئ الرسالة لمكانٍ خاص منزوياً عن العالم في لحظةِ سكونٍ تام لا يتخللُها صوتٌ إلا صوتُ الورقة وهيَ تُفتح ملامِسةً اليدين تارةً ومتباعدةً عن أطرافها الأربعة تارةً أخرى ويُخصص للرسالة ومثيلاتها من باقي الرسائل عُلبة سوداء تقبعُ بين ثنايا الملابسِ أو أسفلَ الدولاب فتغدو مِن الأسرار العظيمة..

يجدُ من لم يُساعفهم أسلوبُهم الأدبي أو مستواهم العلمي ضالتَهم في كتب رسائلِ الحُب التي تحوي عشرات النماذِج من الرسائل التي تختلفُ حسبَ اختلاف ظروف كتابتها: من جندي لحبيبته، من حبيبة لحبيبها المبتعث في الخارج للدراسة، مِن شابٍ يبوحُ بحبه للمرة الأولى، رسالة من حبيبة إلى حبيبها تطلبُ منه أن يتقدم لخطوبتها … وفي صفحاتٍ مقابلةٍ توجهُك ذاتُ الكتب لنماذج الجواب على هذه الرسائل تاركةً لك حرية الاختيار..

كيفَ تموتُ مشاعرُ خُطتْ بعناية وتطلبتْ حيناً من الوقتِ كيْ تصيرَ الورقةُ الجوفاء إكليلاً ناضباً بالحبِ والرمزيات التي لا يفكُ شيفرتها إلا المُتحابان!
كيفَ تموتُ مشاعرُ خُطتْ بعناية وتطلبتْ حيناً من الوقتِ كيْ تصيرَ الورقةُ الجوفاء إكليلاً ناضباً بالحبِ والرمزيات التي لا يفكُ شيفرتها إلا المُتحابان!
 

لا مُقارنةَ طبعاً بينَ ما يُمليه القلب بعفويته وطهارة مشاعره وبينَ ما تَنقُله اليد من نتاجِ مؤلفاتٍ أخرى غير عابئةٍ بغنى بوحِ الروح، بيدَ أننا نلتمسُ الأعذار لمنْ افتقدوا مَلَكة نظمِ الكلام وترجمةِ الأحاسيس والمشاعر إلى أحرف تنتظمُ في كلماتٍ، يُسابقونَ الزمن ويتوسلون بمختلف الوسائلِ حتى تبلغَ مشاعرهم من استوطنَ قُلوبهم في أقرب الآجال، إذ كانَ يكفي أن تصلً الرسالة لمقصدها في مهمةٍ مستحيلة أحياناً وباستراتيجيات مُحينةٍ تقتضي بعثَ الرسالة إلى المحبوب دونَ لفتِ انتباهِ منْ قد ينغصون على العُشاق سعادة تبادلُ تلك الرسائل القيمة التي لا تخلو من صدقٍ تعبير ونُبل فؤادٍ حتى يحكُم الله ويتحققَ مُنى العاشقَين بالعيش تحتَ سقفٍ واحد.

تلكَ الرسائلُ لا تموتُ حقاً، كيفَ تموتُ مشاعرُ خُطتْ بعناية وتطلبتْ حيناً من الوقتِ كيْ تصيرَ الورقةُ الجوفاء إكليلاً ناضباً بالحبِ والرمزيات التي لا يفكُ شيفرتها إلا المُتحابان، فما كُتبَ بتأنٍ ورويةٍ وخُتِمَ بطيبِ كلامٍ صادر عن القلب في حينه لا يعرفُ موتاً ولو مضتْ عليه سنونُ طوال.. طوبى لكمْ من اتخذتم القلم رسولاً لفيضِ حبكم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.