شعار قسم مدونات

كامو والدمى الحجرية

مدونات - امرأة عراقية
كما نُقش وجهها في مخيلتي حين التقيتها صدفة في المطار، نُقش بوحها الأليم كثقب في أذن طفولتي، رغم برئه لبث ثقبا.. كامو. جلست إلى جانبها بعيدا عن زحمة الناس على حافة مقعد في المطار، تجلس ببنيتها النحيلة وبشرتها البيضاء المخملية والناعمة، كان الشحوب يحيط عينيها العسليتين اللتين شهدتا ما لم تشهده أنثى، فقد عاشت السبي لدى داعش. في البدء صمتت كأنها بكماء ثم ما لبثت أن هاجت الكلمات دون أن أسألها، وكأنها تصب في بحر من الأسى محيط..

هربَتْ بصعوبة منهم لتعود إلى مخيم قريب من قريتها المدمّرة كوجو في شنكال/ سنجار، حيث الجيم في اسم قريتها مثقلة تعادل حرفي جيم في العربية، أثقل من مأساتها، ومأساة الجميع من إيزيديي شنكال، كأن فجع قريتها المدمرة تجوهرت في شخصها الصغير فباتت تروي قصصها كثيرا، تركت جرحا غائرا لسكّانها. أخبرتها في حينها أنها ستكون بخير إن التقت بذويها، صمتت كامو للحظة، بدت كأنّها غارت في عالم بعيد، اختبأت في ماضٍ قاسٍ كأعمى يحتمي بجلاده، أخذت نفسا عميقا وردّت عليّ بملامح ميت أيقظه الأسى وأردته الخسارة "لا أدري شيئا عنهم، ولا حتى عن أخواتي المختطفات لدى الرجل ذي العمامة القاتمة السوداء، سأبحث عنهم، لكن أرجوكِ أخبريني، هل تشعرين أو تظنين أنّهم قد يكونون على قيد الحياة؟!".
 
كانت تبحث عن فسحة نجاة، وأنا التي كنتُ أشعر بأنّني لا أملك شيئا لأفعله لها، ولا لنداء أخواتها السبايا اللاتي ضعن في ظلمة عمامات داعش كما تبتلع العتمة أفقا. بقيتُ على يقينٍ بمخيلتي التي كانت تثير أمورا غريبة، وأحيانا كنتُ أتهرّب من نظراتها الحزينة، وأصرف عينيّ يمينا ويسارا لأكون قادرة على مواصلة الحديث معها، وأجفف دموعي التي كانت تخنقني.

كامو.. امرأة تتبدّد كظلٍّ صغير في الظلام، رسمت كلماتها صورة ذلك الداعشي في مخيّلتي كوحش كاسر يكاد يبتلع الغيوم. حينها تكوّرتُ على نفسي بعض الشيء خيفة وهلعا منه

كانت تعدّل كامو من جلستها القرفصاء في كل لحظة، لتلفّ ركبتيها بيديها، أتذكر جيدا عندما كانت تتحدث بألم تعالى لهيبه:
– أتعلمين؟ إن رأيتُ أمي سأحضنها بجنون، وأخبرها عن الرجال الذين باعوني وشروني ظلما.
– لكنني لا أعرف إن كانت على قيد الحياة. 
– لا أدري، ربما، أتمنى ذلك أو..
احمرّت البقع الداكنة على خديها قهرا، فحالت دون مواصلة الحديث، وكأنّها تضغط على جراح عميقة تنزف وتحجبها. أنفاسي العصيّة كانت تشلُّ توازني إزاء ما كان يحصل، امرأة تتلاشى في ماضيها وتوقظها في كلّ مرة ذاكرة قاسية.

كانت تقفز لأدنى حركة حولها وكأنّ كلّ ما يحيط بها نذير مصيبة، اصطدم رجل بيدها دون قصد وهي تتحسّس حقيبتها، فسحبَتْ يدها بسرعة كطفل أصابه مسّ، فشعرت بلكز في روحي ووخز في أصابعي، كأنّما أعدتني بأساها، بلغة عاجزة يستعصي الإفصاح عنها. كانت تضغط بإبهامها على أثر جرح طرف عينها اليسرى بين الحين والآخر، أخبرتني عن سبب ذلك الجرح بصوت خفيف وكأنّها اختفت ثم عادت إلى الحدث ذاته، ضحكة صفراء تبدّت في شفتيها: لقد صفعتني داعشية أثناء دخولي منزلها وأنا مقيّدة، إنه أثر جرح سببته أساورها الذهبية.

اختلط في ذهني على نحوٍ خانق وسواس أساور تلك الداعشية مع صدى سلاسل الإيزيديات المقيّدات والمصفوفات كدمى حجرية، صدى يتشابك فيه الزمن والتقويم. كانت تمعن النظر إلى شيء غير محدّد بعينين تملؤهما الدموع وشفتين ترتجفان، أخبرتني بصوت مبحوح خنقه الأسى، كأبكم يتهجى بصعوبة أولى كلماته: لن أنسى ذلك الداعشي الأشعث والبدين الذي قتل زوجي وخطف أطفالي.

 

في كل ليلة أرسم في خيالي وجوه أطفالي وأمحيها كلّما تغيّرت ملامحهم وهم يكبرون. في كلّ ليلة أرى الكابوس ذاته، زوجي يسرق من السماء نجمة ويقدّمها لي برأس مقطوع. لن أنسى في تلك الأثناء حين غابت الرؤية عن ناظري للحظات، امرأة تتبدّد كظلٍّ صغير في الظلام، رسمت كلماتها صورة ذلك الداعشي في مخيّلتي، بجسد عارض وذراعين كانتا تطولان، وكتفين تتضخّمان كوحش كاسر يكاد يبتلع الغيوم. حينها تكوّرتُ على نفسي بعض الشيء خيفة وهلعا منه. ساد فجأة صمت مخيف، وكأنّ الناس المحيطين بي في المطار تماثيل بأشكال منوعة. 

 

ودعتني كامو عندما نادوا اسمها للسفر، غادرت بخطوات أثقلتها ذكريات مفجعة، رحلت واختفت تاركة إياي مع صور كانت تدور وتحوم حولي وتغطّي الأفق أمام ناظريّ. هل ستعيش كامو ربيعا جديدا بعيدا عن رهاب الاعتداء والفقدان الذي نال منها، لتبدأ من جديد؟ هل ستحظى يوما بمكان وذاكرة أكثر صفاء وهدوءا وتنسى ما جرى لها؟ أم أنّها ستكون كذلك الذي ظلّ يبحث عن خمر معتّق غير محرّم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.