شعار قسم مدونات

كيف نواجه الهَم؟!

blogs حزن

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من ثمانية أولها الهم والحزن كما في الحديث الذي رواه أنس بن مالك وأبي أمامة رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وغلبة الدين وقهر الرجال"، وفي رواية: "وغلبة العدو".

الهم أعظم المخلوقات!

ومما روي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "أشد خلق ربك عشرة: الجبال والحديد ينحت الجبال، والنار تأكل الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخّر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح تُقل السحاب، والإنسان يتقي الريح بيده ويذهب فيها لحاجته، والسُّكر يغلب الإنسانَ، والنوم يغلب السكر، والهم يمنع النوم، فأشدّ خلق ربك الهم" (الطبراني: المعجم الأوسط 1/267).

فالهم أساس قهر النفس الإنسانية، وتدمير جوهر طاقتها، وهو خير معين للشيطان على الإنسان، يقول العلامة ابن القيم تعليقا على حديث أبي أمامة رضي الله عنه: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن.." بقوله: "تضمّن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان مزدوجان، فالهم والحزن أخوَان، والعجز والكسل أخوَان، والجبن والبُخل أخوَان، وضلع الدين وغلبة الرجال أخوَان، فإن المكروه المؤلم إذا وردَ على القلب، فإما أن يكون سببُه أمرا ماضيا فيُوجب له الحزن، وإن كان أمرا متوقعا في المستقبل أوجبَ الهمّ". (ابن القيم: الطب النبوي).
 

الحزن على ضياع العمر في غير غاية الوجود، وتمام المقصد الذي خلق الإنسان من أجله يوجب الحزن للنفوس المتيقظة التي لا تفتأ تحاسب نفسها على هذه الهفوات والزلات، فهو من الحزن المحمود

فالهم ما يخشى الإنسان وقوعه مستقبلا، والحزن ما وقع وسبب ألما وخسارة لا يندملان، على أن لابن القيم أيضا في كتابه الآخر "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" كلام نفيس عن منزلة الحُزن، يقول: "ليس الحزن من المنازل المطلوبة ولا المأمور بنزولها وإن كان لابدّ للسالك من نزولها، ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا، فالمنهي عنه "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا" (آل عمران: 139) وَقَوْلِهِ: "وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ" (الحجر: 88) فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَوْلِهِ: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" (التوبة: 40) وَالْمَنْفِيُّ كَقَوْلِهِ: "فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون"، وسرّ ذلك أن الحزن موقف غير مسيّر، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحبّ شيء إلى الشيطان أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره، ويُوقفه عن سلوكه". (مدارج السالكين).

لكن فيما ورد عن طاووس مرفوعا قال: قال رسول الله: "إن الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، وإن الرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن" وانما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين؛ إحداهما الرغبة في الدنيا والحرص عليها، والثاني التقصير في أعمال البر والطاعة، فعَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ قَالَ: الْهَمُّ وَالْحَزَنُ يَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ، وَالْإِثْمُ وَالْبَطَرُ يَزِيدُ فِي السَّيِّئَاتِ. (المحاسبي).

للحزن فوائد!

وفي "آداب النفوس" للإمام المحاسبي: قَالَ التيقظ أصل كل خير كَمَا أن الْغَفْلَة أصل كل شَرّ، فَمَا أكثر من يكون عِنْد نَفسه متيقظا وَهُوَ غافل، وَمَا أحب إليه التغافل عَن التيقظ وآنسه بالغفلة، وَاعْلَم أن أبين عَلَامَات التيقظ الهم والحزن ثمَّ حُسن الاستعداد لما اهتم لَهُ وحزن عَلَيْهِ، وأبين عَلَامَات الْغَفْلَة البطَر والمرح؛ لأنهما يسهيان وينسيان التيقظ؛ وَفِي ترك التيقظ ترك الاستعداد لما بعد المَوت".

فالإمام المحاسبي يرى في الهم والحزن فائدة لبعض الخواصّ من البشر، لا سيما ممن ارتبطت عندهم المعاني بالآخرة يقول: "وَصاحب الهم والحزن والمحاسبة يَجعل السَّاعَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هَم وَلَا حزن وَلَا محاسبة سَاعَة بطالة، وأقل قَلِيل الْغَفْلَة عِنْده كأكثر الذُّنُوب عِنْد غَيره، وَمن عَلامَة الْيَقِين فِي العَبْد إدامة الْحزن فِيهِ، يَا أخي وَلَو لم يحزن العَبْد إلا لما يكون فِيمَا يسْتَقْبل من الأعمال من الْجفَاء والسهو والغفلة وَقلة الصدْق فِي فَرْضه ونافلته مثل الَّذِي قد عمل وَلما يجد فِيهَا من قلَّة الْحيَاء والمراقبة لَكَانَ جَدِيرًا أن يحزن ويهتم، وَلَو لم يحزن ويهتم إلا لأنه لو جَاءَ من الأعمال بِمثل أعمال المَلَائِكَة وَالْجِنّ والانس وَالْعَالمِينَ كلهم لم يكن عِنْده علم فِي ذَلِك أنه فِي المقبول اَوْ فِي الْمَرْدُود وَلَا يدْرِي أيُقبل من ذَلِك كُله مِثْقَال ذرة اَوْ يرد عَلَيْهِ لَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ ان يحزن، وَلَو لم يحزن إلا لأنه لَو قيل لَهُ اختر مِن عمرك أَي سَاعَة شِئْت لم تعص الله فِيهَا لسَبَب من الأسباب لما كَانَ يجد ذَلِك لقد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أيحزن، ولو لم يحزن إلا لأنه لَو قيل لهُ هَل تعرف سَاعَة وَاحِدَة من عمرك أدَيت الى الله سُبْحَانَهُ فِيهَا جَمِيع مَا أوجبه عَلَيْك كَمَا أوجبه لقَالَ مَا أعرفها لقد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أن يحزن".

فالحزن على ضياع العمر في غير غاية الوجود، وتمام المقصد الذي خلق الإنسان من أجله يوجب الحزن للنفوس المتيقظة التي لا تفتأ تحاسب نفسها على هذه الهفوات والزلات، فهو من الحزن المحمود الذي حض عليه المحاسبي أعلاه.

undefined

الدعاء سلاح المؤمن!

لكن للحزن أسلحة فعّالة تقاومه وتحصره وتمنع من تمدده وانتشاره في نفس المحزون الذي قد يتضاعف لديه الحزن فيسبب له آلاما لا تبرح، ووجعا لا ينتهي، ونفسا منكسرة ضعيفة لا تقوى على البناء والعمل والانطلاق في مدارج الحياة التي تحتاج إلى نفوس صلبة تواجه هذه الاختبارات، وأعظم هذه الأسلحة أثرا، وأقواها بأسا: الدعاء. فعن ابن عباس رضي الله عنهما، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم".

وعند الدّين الذي يسبب هما في الليل ومذلة في النهار نجد الدعاء الفعّال، فعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت دخل عَليّ أَبُو بكر رَضِي الله عَنه فَقَالَ: هَل سَمِعتِ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دُعَاء علمنيه قلتُ مَا هُوَ؟ قَالَ: كَانَ عِيسَى بن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام يُعلمهُ أَصْحَابه: قَالَ لَو كَانَ على أحدكُم جبل ذهب دَينا فَدَعَا الله بذلك لقضاه الله عَنهُ: اللَّهُمَّ فارجَ الهمّ، كاشفَ الغم، مُجيب دَعْوَة الْمُضْطَرين، رَحْمَن الدُّنْيَا ورحيمها، أَنْت ترحمني، فارحمني برحمة تغنيني بهَا عَن رَحْمَة من سواك". قَالَ أَبُو بكر الصّديق: وَكَانَت عَليّ بَقِيَّة من الدّين وَكنتُ للدّين كَارِهًا، فَكنت أَدْعُو بذلك فَأَتَانِي الله بفائدة فقضاه الله عني. (ابن الإمام: سلاح المؤمن في الدعاء والذكر).

وهكذا حارب الإسلام "الهم" وعدّه بعض الصحابة أعظم جند الله خطرا على الإنسان وحياته ومستقبله، وكان منه صلى الله عليه وسلم يستعيذ كل يوم لما علمه من آثاره الخطيرة، وفي عالمنا المحيط بالمشكلات الضخمة اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا اليوم فإن الهم والحزن صارا من أمراض العصر، وفي ديننا وتراثنا ما يساعد على العلاج والعافية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.