شعار قسم مدونات

لماذا لا تزدهر حركة ترجمة الكتب العربيّة؟

blogs كتب تاريخية

يبدأ الطّريق الطّويل بخطوة، ويبدأ الغيث الغزير بقطرة، وتتحقّق الأحلام والآمال بعد أن كانت يوما ما فكرة؛ فكرة مُجرّدة لا حول لها إلّا إيمان صاحبها بها، ولا قوّة لها سوى إرادة صلبة ممزوجة بقدرة مُكتسبة؛ فالتّراكم طبيعةُ الأشياء العظيمة، والمشاريع الكبيرة، والأهداف الهامّة. فبتراكم التّجارب والقرائح تُبنى المعارف الخادمة للإنسانيّة، وبتراكم الخبرات العلميّة والإنتاجات الأدبيّة تُبلور الرّؤى للعديد من الأشياء، وتُصوّب النّظريات حول الكثير من المسائل المثيرة للجدل بين النّاس، ويُجوّد الذوق العام للذّوات الفردية والجماعيّة، وهو ما نجده متجلّيا وبوضوح تامّ فيما تحويه الأسفار من تجارب ومعارف وعلوم دوّنها أصحابها قصد مشاركة ما توصّلوا إلى من تنائج، وما أبدعوه من صور شعريّة وأساليب بلاغيّة فاتنة، وتشاطرها مع غيرهم.

وهذا "الغير" ليس بالضّرورة أو يكون ابن ذات المجتمع، أو مُتحدّثا بنفس اللّسان، أو جزءا من عين الحضارة الخاصّة بصاحب هذا الكتاب أو ذاك، بل يكفي أن يكون ممّن يَسعون حثيث السّعي نحو قطف ما نضج من الثّمار، وما أزهر من الورود النّابتة أصولها في بساتين الكلمة. ومساهمة العقل العربي في بناء السّرح الفكري الإنساني أظهر من أن نمهّد له بالتّوصيف، وأَشْهَرُ من أن نحشد له الأمثلة من التّاريخ القديم أو الحديث، مساهمة تتظافر مع مساهمات أخرى غربيّة سابقة وحاضرة، وذلك بفضل حركة علميّة مثّلت نقطة مفصليّة، ومنعطفا فارقا في المسار الحضاري العالمي، هي حركة التّرجمة.

وقد استفاد غير العرب من المؤلّفات العربيّة من زمن ما ليس بالبعيد، بل أكثر من ذلك، إذ بَنُوا تقدّمهم على ما توصّل إليه العرب من علوم، في شتّى المجالات والفنون، دون أن يمنعهم اختلاف اللّغة أو تباين الثّقافة من هذه الاستفادة، فنقلوا المخطوطات من مكتبات بغداد والإسكندريّة ورقّادة بالقيروان والأندلس وغيرها من الأمصار والأقطار العربيّة الإسلاميّة ووضعوها في مكتباتهم الوطنيّة ومتاحفهم الرّسميّة، ونقلهم لها تجاوز حدّ تغيير مكانها فقط، إنّما نقلوا كذلك لغتها. لكن بالنّظر إلى الواقع المعاصر نرى أنّ عمليّات ترجمة النّصوص العربية إلى لغات مغايرة تراجع نسقها، وصار من النّادر أن نسمع مُؤَلَّفًا من المؤلّفات تمّت ترجمته إلى الأنجليزيّة أو الفرنسيّة أو الألمانيّة أو الإسبانيّة أو الفارسيّة أو غيرها من اللّغات.

في أكثر من تخصّص وأكثر من فنّ، وجدت تميّز الكتابات القديمة للعقل العربي بمستوى جليّ، فالغرب التفت إلى ما بأيدينّا لمّا كان عندنا ما يفتقر إليه، وأعرض عنّا لمّا افتقرنا لكلّ ما يعوزه ويحتاجه

والمحفوظات العربيّة من المخطوطات النّادرة المعروضة في المكتبات الفرنسيّة والإنجليزية والألمانيّة والتّركيّة خير دليل على ذلك، فبالنّظر إلى الفهارس الرّسميّة المنشورة نلاحظ كثرة المصنّفات العائدة إلى الحضارة العربيّة، وإنّني أعتقد كما يعتقد الكثيرون غيري أنّ هناك أسفارا أخرى غاية في الأهميّة وقع تغييبها وإخفاؤها عمدا بغية "الاستيلاء" على ما فيها، كيف لا وهي تمثّل قيمة علميّة وتاريخيّة كبيرة؟ ومن المؤسف أنّنا صرنا إذا هممنا بالاشتغال بتراثنا عناية وتحقيقا ودراسة وإبرازا مررنا -مكرهين- عبر بوّابة الغرب، لتجمّع كتبنا عندهم، أو كثير منها على الأقلّ.

ولعلّ مردّ هذا التّراجع إلى تراجع محتوى الكتب العربيّة، إذ لم يعد مستوى الكتابات عندنا كما كان في السّابق، فلا نظريّات تستجيب للمتغيّرات الاجتماعيّة والثّقافيّة الحاليّة، ولا معالجات فعّالة للمظاهر غير الصحيّة المتفشّية في المجتمعات، ولا توجيهات دقيقة للخيارات الشّعبيّة والوطنيّة للوصول بالنّاس إلى ما به تتحقّق مصالحهم، ولا مراجعات فكريّة تُستبعد من خلالها مواضع الضّعف، وتُعزّز مواطن القوّة، ولا أطاريح كلّية-مُطّردة بإشعاع متّسع يستوعب خصوصيّة الأنا وخصوصيّة الآخر المختلف معا، دون الحاجة إلى إنكار أي من الطّرفين لما امتاز به.

وأحمد الله أن وفّقني للاطلاع على العديد من المخطوطات من مختلف المكتبات العربيّة والعالميّة، من مختلف الحقب التّاريخيّة، وفي أكثر من تخصّص وأكثر من فنّ، فوجدت تميّز الكتابات القديمة للعقل العربي بمستوى جليّ، فالغرب التفت إلى ما بأيدينّا لمّا كان عندنا ما يفتقر إليه، وأعرض عنّا لمّا افتقرنا لكلّ ما يعوزه ويحتاجه، فالقضيّة ليست "عنصريّة – انغلاقيّة" كما يتردّد على ألسنة الكثير من النّاس، بل هي مرتبطة أساسا بانتظارات يبحث ذَوُوهَا على أشياء تستجيب لها بغضّ النّظر عن مأتاها الجغرافي والعرقي والحضاري، هذا من ناحية الاستفادة، أمّا من ناحية الإقرار والاعتراف هذا الافتقار وهذا الالتجاء فهو أمر آخر، لا يغيّر كثيرا من واقع الحال، فلئن غاب صريح الاعتراف، يحضر ضِمْنيُّهُ، ولا يخفى هكذا شيء عن ذي لبّ وذي فهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.