شعار قسم مدونات

كيف لعدم لفظ الكاف أن يثير فوضى عاطفية؟!

blogs - kid

كمعالجة نطق، لغة وتواصل، لا أفصل الجانب العاطفي عن الجانب المهني في تقييم وتطوير القدرات اللغوية، أؤمن أن اللغة هي وسيلة للتواصل تمامًا كما هي "مرآة" لحضورنا عند حديثنا مع الآخر، فحين تترتب أفكارنا والفوضى العاطفية، تكُن لغتنا أوضح عند أيصال رسالتنا ولأنني أؤمن أيضًا أن القصة هي من الوسائل الأنجع لإيصال رسالة ما، أخترت مشاركتكم بتوثيقي لحالة كنت قد عالجتها، عساني أساعد في وصف تفاصيل غرفتي العلاجية بعفوية، مدونتي هذه تشمل بين ثناياها اللهجة الفلسطينية التي لطالما اعتززت بها.

كان ذلك صباحًا جميلاً، جهّزتُ به قلبي للاحتواء، التعاطف والدعم المعنويّ لمن يطرق بابي. زبائني هم آباء وأمهات يعشقون أطفالهم ويطمحون أن يجعلوا منهم سعداء وأبناء حياة! ذاكرتي، لا تعلم إن كانت تلك المرأة قد طرحت السلام أم لا، حين ظهرت فجأةً أمامي في غرفتي العلاجية! الأم: "توجهنا الك لإنه بحكيش منيح.. بِقول -تُرسي- بدل -كُرسي- وكمان لانه قلييييل ما بحكي".

لم تعرّفني على نفسها، لم تنظر لطفلها حين تحدثت عنه، كأنه غائبًا! وقف عزيز (اسم مستعار)، ابن الخامسة، وراءها صامتًا، بأن عليه الاستغراب، وكأنه يرى أمه للمرة الأولى. لغة جسد عزيز أعلنت "استنكارًا" اتجاه والدته، لم يتحرك، منكمش الكتفين كمن اقترف ذنبًا. أعتقِدُ أنه قال في قرارة نفسِه: "أوف.. منين هاي أمي طلعتلي؟!" لا أعلم ما جال في خاطره حينها، لكن نظراته المتسائلة كانت تشمل الخوف، التوتر وربما الغضب! ربما كان ينتظر مني إبرةً تصحّح له الكاف الملتوية تلك.. لاعتقاده أنني طبيبةٌ وأعالج الأصوات عن طريق الإبر والضمادات!

استغرقَت نفسي ثوانٍ عدة لاستيعاب الموقف المحرِج لعزيز، ثم توجهتُ إليه وأخبرتهُ عن سبب زيارته المفاجئة لي، فهو لم يكُن يعلم لماذا أصطحبوه أليّ! خلال حديثنا، سمحَ لجسده بالتحرّك قليلاً ثم وافق لشفتيه أن تبتسم. وأخيرًا.. وافق على اقتراحي! ان نلعب سويةً.. أتضح أن لسانه فعلاً لا يمكنه أنتاج الصوت "ك “! ووصلني إحساسًا أنه يقلّل حديثه بسبب الكاف المشاكسة تلك! ولذلك، قررتُ الاّ يكون هدفي العلاجي تحسين قدراته التعبيرية حينها، فضلتُ استثمار طاقاتي كمعالجة وطاقات عزيز بهدف التدرب على اكتساب الصوت ولفظه بإتقان.

نُحدث التغيير عند أطفالنا، حين نتقبّلهم وصعوباتهم.. تقبُّلهم، يعني أننا نحبهم بدون شروط! والحب غير المشروط هو أساس الشعور بالأمان والثقة بالنفس

سترتُ احساسي ذلك منه، خشيةً من كشف جميع أوراقه وهروبه مني.. لكنني، شاركتُ والدته حفاظًا على مصداقيتي العلاجيّة.. هو طفلها، ليس طفلي! مُلزمة أنا بمشاركتها. الأُم نظرت اليّ باستغراب وقالت أنها متأكدة من أن طفلها قليل الكلام لأنه يعاني من تأخر في التعبير اللغوي وأنه قليل الكلام في جميع المواقف. لم أناقشها كثيرًا، لكنني رأيتُ في نبراتها الكثير من قلّة الثقة بقدرات طفلها ورأيتُ كم هي مهتمة برأي المحيط والمعلمة في الروضة مقارنة مع شح اهتمامها بتعزيز عزيز ومنحه الثقة بنفسه.

بشكل عام، وتيرة الجلسات العلاجية في علاج النطق، اللغة والتواصل هو جلسة أسبوعية واحدة، فيها أقوم بعلاج الطفل أضافة الى الإرشادات والتعليمات التي يتلقونها الأهل ليعملوا بها خلال الاسبوع، في البيت. وتيرة تطور علاج عزيز كانت سريعة جدًا نسبة لوتيرة اكتساب الاصوات بشكل عام، فبعد خمسة أسابيع، كانت الكاف "ككاف الديك" المبشّر بوقت صلاة الفجر. في اللقاء الأخير، شاركتني الأم: "بتعرفي ميسون أنه صار يحكي مع الكل؟ المعلمة كمان بتحكيلي كثير أشياء منيحة عنه وصار يلعب مع كل الأولاد بحريّة.

أمّا في الحديث معه، فسألته: "عزيز حبيبي، ممممم أول ما أجيت عندي.. كنت حاسة إنه لسانك مش حابب يحكي كثير مع الناس لأنه مش مسيطر عال "ك".. وعشان هيك معلمتكاش كيف منحكي قصص وجمل طويلة، كنت حاسة أنك أنت بتعرف بس خجلان.. صح؟" (وأضفت ابتسامة لجملتي تلك)، عزيز: "اه" مع ابتسامة واسعة ونظرة تعني "كيف عرفتِ؟".

أم عزيز انبهرت من الموقف، كيف لمعالِجة أن تقرأ قلب طفلها وهي كانت قد اتهمت طفلها بقلّة الكلام وسوء التعبير وضعف القدرات؟ احتضنَت ابنها، قبّلته ودمعت عينها.. ثم سألتني بألم: "كيف انا معرفتش شو حاسس؟"، أمسكت بيدها برفق وأجبتها، أننا أحيانًا ننشغل بأنفُسنا فلا نبصرهم بقدر ما نبصر حاجاتنا.. نفكّر بعقلانية بهدف نجاحهم وكمالهم فنتجاهل احساسهم! هي أم، تحتاج لزرع ثقتها بأمومتها لتستطيع زرع الثقة بطفلها، هي أم بحاجة أن تعلم أنها كأمهات أخريات. الثقة بالوالدية تنتج عن طريق أدراكنا لأسباب تصرفاتنا وردود فعلنا.

نُحدث التغيير عند أطفالنا، حين نتقبّلهم وصعوباتهم.. تقبُّلهم، يعني أننا نحبهم بدون شروط! والحب غير المشروط هو أساس الشعور بالأمان والثقة بالنفس. لم يكن علاج عزيز مجرد اكتساب لصوت الكاف بقدر ما كان اكتساب لأمٍ تراه جميلاً رغم صعوباته واختلافه! كونوا لأطفالكم ذلك البالغ الذي يحبهم بدون شروط، يحبهم كما هم، يؤمن بقدراتهم ويثق أنهم يستطيعون مواجهة التحديات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.