شعار قسم مدونات

كيف غيرت الهندسة الميكانيكية حياتنا؟

مدونات - الهندسة الميكانيكية

الهندسة الميكانيكية هي تلك الهندسة العظيمة التي تُعنى بماهية الأشياء وكيفية حركتها والنظام الذي تسير عليه، فتراها تبحث في دبيب النمل حتى سفن الفضاء العملاقة، ولا يكاد يخلو الأمر من فِعل هذه الهندسة؛ فأينما حللت وارتحلت لا بد أن تلمس لها أثراً. ويقع كثير من الناس في مغالطة شديدة الوطء عند تعريفهم لهذه الهندسة تحديداً، فهي في مخيلتهم ذلك الرجل الأشعث الأغبر الذي يقوم بإصلاح أعطال سياراتهم فحسب! وهذا ظلم عظيم لهذه الهندسة المرموقة التي هي أوسع من ذلك.

تعود نشأة الهندسة الميكانيكية إلى زمن بعيد، فهذا بديع الزمان يصنع آلة عظيمة من أفكار بسيطة تقوم على نقل الحركة، وفي الأندلس لا تزال ساعة (الأُسود) أكبر لغز حيّر مهندسي اليوم وغيرها من الأمثلة الكثير، وكل ذلك قبل اختراع السيارات والطائرات وسفن الفضاء! لو بحثنا في مجالات هذه الهندسة لرأيناها كثيرة متعددة؛ ففي الآلات جميعها يدخل علم الميكانيك أساساً فيها، فهو يفسر حركتها وسرعتها والمواد المصنوعة منها ويُبيّن مقاومتها للأحمال ويعمل على تصميمها وفقاً لقوانين مضبوطة. وفي علم الديناميكا الحرارية له جولة وصَوْلة؛ فهو يفسر قوانينها ويكرّسها في تطبيقات عملية؛ كنظام التكييف مثلاً. ولنأخذ علم الاهتزازات العظيم؛ فهو يعمل على بيان مصدر الاهتزاز ويدرس أحواله، وكيفية تقليله والتحكم فيه، بل وفي بعض الأحيان يوظف الاهتزاز فيما هو نافع.

لا بد أن ننظر إلى الهندسة باحترام وإكبار، فهي سهلت حياة البشر وجعلتها أكثر متعة وراحة، وحتى نعادل الكفّة فإن الهندسة في بعض توظيفها جعلت بعض مناطق العالم تتحول إلى كوارث، كما وعملت على الإخلال في النظام البيئي.

وهذا علم انتقال الحرارة الكبير يبحث في كيفية انتقال الحرارة بالطرق الثلاث؛ الحمل والتوصيل والإشعاع، ويدرسها دراسة دقيقة، فتراه يدرس انتقالها في أكثر من محور تارة، وتارة يدخل الزمن كعامل أساسي فيها. كما أنه يوظف هذه المبادئ في تطبيقات عملية؛ كالمبادلات الحرارية. وانظروا إلى ذلك الاختراع الرهيب الذي غيرّ وجه الأرض بأكمله من صنع هذه الهندسة، بل وإن هذا الاختراع أقام علوماً جديدة لم تكن لتقوم لولا وجوده، إنه (محرك الاحتراق الداخلي) المستعمل في السيارات والطائرات. فهذا الاختراع بحق من أعظم اختراعات التاريخ كله، فمن خلاله اختُرعت السيارات والطائرات، فأنشئت الجسور والشوارع والأرصفة والمطارات والموانئ خدمة لهذا الاختراع العظيم، وخلقت آلافاً مؤلفة من فرص العمل، وأصبح مقياس تقدم الدول في بعض الأحيان مقروناً بتطور صناعة هذا الاختراع؛ كألمانيا مثلاً. إن الناظر إلى الهندسة الميكانيكية يرى بأنها عظيمة جداً، وليس ما ذكرناه إلا غيض من فيض، فهي أيضاً تدخل في صلب علوم أخرى مستقلة عنها؛ فالهندسة المدنية تحتاج في كثير من أحوالها إلى علوم الميكانيك، والطب أيضاً؛ فما من آلة تستعمل في عملية وتنقذ حياة مريض إلا وكان علم الميكانيك له الفضل والسبق (بعد الله تعالى). أعجبتني مقولة تقول بأنه لولا علم الميكانيك لما استطاع الطبيب إجراء عملية واحدة ولا حتى أن يمسك مقصاً بيده! وفي هذا مبالغة ولكن هذه المبالغة تأتي ضمن باب التعظيم لهذه الهندسة.

إن هذا العلم رفيع المستوى ليس حكراً فقط على الغرب؛ فالعرب المسلمون كان لهم فضل في تقدم هذا العلم سابقاً وفي عصرنا الحديث، وقد استهللنا حديثنا عن بعض الأمثلة التي جرت قديماً في محاولات فهم علوم الميكانيك. أما في عصرنا الحديث فإن الكلام يتوقف في حضرة عالمنا الكبير البروفيسور علي نايفة (رحمه الله)، ذلك العالم الفلسطيني الأردني الذي أثرى هذا العلم، وأصبحت كتبه مرجعاً في دراسة الهندسة الميكانيكية في أنحاء العالم مترجمة إلى الكثير من اللغات، وقد قام باختراعات كبيرة شهد لها القاصي والداني، ويكفي أنه من شدة عبقريته أنهى دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في غضون أربع سنوات ونصف فقط في سابقة تاريخية لم تحصل! كما حصل على جائزة بنجامين فرانكلين وهي أرفع جائزة تُمنح في الهندسة الميكانيكية، والتي حصل عليها أيضاً آلبرت آينشتاين. ولا أعرف تحديداً من له الشرف بذكر اسمه مع الآخر؛ أهو البروفيسور علي نايفة أم آينشتاين! إن الهندسة الميكانيكية لا يمكن الاستغناء عنها أبداً، فهي تدخل في أدق حاجاتنا واستعمالاتنا اليومية، ومع أن العالم يتجه إلى الطاقة الكهربائية والطاقة المتجددة إلا أن الاستغناء عنها صعب محال؛ فالكبير لا يصغر والعظيم لا يهزل.

نهايةً، لا بد أن ننظر إلى الهندسة باحترام وإكبار، فهي سهلت حياة البشر وجعلتها أكثر متعة وراحة، وحتى نعادل الكفّة فإن الهندسة في بعض توظيفها جعلت بعض مناطق العالم تتحول إلى كوارث، كما وعملت على الإخلال في النظام البيئي. ولكن تبقى الحلول موجودة في ظل تطور صناعة الطاقة النظيفة والتي يعد علم الميكانيك أساساً في تطورها. هكذا هي الهندسة، تقع في مأزق فتطرح الحلول وتبدأ بالتجربة وتستمر بتطوير نفسها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.