شعار قسم مدونات

المجاعة العاطفية في مجتمعنا

مدونات - رجل وامرأة
استطاع صاحب كتاب "مشاعر مدفونة في صحراء نجد"، أن يعلق الجرس، ويطرح قضية لطالما عد تناولها زيغا عن القضايا الجوهرية، وخروجا عن المنظومة الثقافية العربية، التي تحكم العلاقة بين الأفراد، وتضبط شروط العاطفة والحب، بشكل يتناغم ومقوّمات البنيان الاجتماعي، حيث يرى أن المجتمع النجدي غارق في الحرمان العاطفي، وموت المشاعر وجفافها، حتى تحولت إلى ما يشبه الرمال، تكيفا مع عاداته الاجتماعية.
  
 إن الأمر ينطبق على كل المجتمعات العربية، الخاضعة لسلطان الأعراف المخالفة للدين والفطرة السليمة. والتي تربط الجانب العاطفي من الإنسان بالعيب والضَّعف، في حين أن العاطفة نفحة من روح الله تعالى، واحتواء لكل شيء جميل في هذا الكون، أودعها الله في خلقه حتى يكون في أحسن هيئة من التناسق والتكامل بين أجزاء تكوينه؛ الجسدي المنسق في حكمة الخالق، والعاطفي الانفعالي بما فيه من الميول والرغبات؛ من انجذاب ونفور، وقبول وإحجام، وحب وبغض، وما إلى ذلك. والشخصية السوية؛ هي التي تتحرك لإشباع حاجاتها المادية والمعنوية باعتدل وانتظام، بحيث لا يطغى اهتمامها بجانب على حساب جوانب أخرى.
 
وإذا ما أَخَلّ الإنسان بأي جانب من شخصيته تحرك لديه نداء الفطرة السليمة، ليتدارك قصوره وضعفه، بُغية الوصول إلى التوازن. فتتنفس هذه العواطف متى ما سنحت الفرصة بطرق شاذة تارة، وطرق سوية تارة أخرى. وفي حالة الإخلال أو الكبت قد تُحدث الكثير من المعاناة النفسية، نتيجة إلحاحها على صاحبها، وانفجارها كلما وجدت لها مثيرا.
 
ولعل إدمان أكثر شرائح مجتمعنا على الدراما التركية، وارتفاع نسب مشاهدتها إلى الملايين، قد فضح ذلك الشرخ العاطفي الذي يعاني منه أغلب متتبعيها نساء ورجالا، شيبا وشبابا، فقد شكلت هذه المسلسلات برومنسيتها دواء لجراحنا الاجتماعية وتصدعاتنا النفسية. فأصبحت ملاذا لكل محبط من الحياة، هارب نحو الانغماس في عالم آخر خلق لابتلاعه، بشكل يجعله لا يميز بين الواقع والخيال.
وقد يرجع ذلك إلى براعة هذا النوع من الدراما في طرق قضايا الحرية والحياة، والانعتاق من التقاليد والأعراف التي تكرس الجفاف العاطفي، والتسلط والقمع في أغلب الأحيان، والتي تريد من الفرد أن يكون مثاليا، لا إنسانا. 
       
يعزو علماء النفس الاهتمام المهوس بهذا النوع من الدراما الرومنسية في عالمنا العربي. إلى أنه في بعض البيوت شكلت هذه المسلسلات ملجأ لزوجات وأزواج وأبناء، لتعويض الجانب العاطفي الجاف
يعزو علماء النفس الاهتمام المهوس بهذا النوع من الدراما الرومنسية في عالمنا العربي. إلى أنه في بعض البيوت شكلت هذه المسلسلات ملجأ لزوجات وأزواج وأبناء، لتعويض الجانب العاطفي الجاف
 
  
وقد شكلت العاطفة أحد أهم  عناصر نجاحها، بالإضافة إلى جرأتها في اقتحام الخطوط الحمراء، وتجاوز التابوهات التي تشكل أساسات المجتمع العربي الإسلامي، من قبيل؛ العلاقة المفتوحة بين الرجل والمرأة، وتقديمها مشاهد تخدش الحياء. فاستطاعت بما تحمله ضمن طياتها من مضامين عاطفية مبالغ فيها، وإسقاطات نفسية، أن تؤثر على ثقافة المجتمع، ونمط شخصية الفرد، وتخلخل البناء المجتمعي وقيمه، وتقدم لنا واقعا مناقضا للواقع الذي نعيشه، اعتبره البعض متنفسا من قيم المجتمع التي سلبتهم حرياتهم وحقوقهم.
 
ويعزو علماء النفس الاهتمام المهوس بهذا النوع من الدراما في عالمنا العربي إلى أنه في بعض البيوت شكلت هذه المسلسلات ملجأ لزوجات وأزواج وأبناء، لتعويض الجانب العاطفي الجاف. حيث يتبادل الأبطال كلمات الود، ويتحاورون بطريقة محببة ومتحضرة، ويعبرون بطريقة سلسة عن مشاعرهم بشكل يناقض منطق الكبت، والقمع السائد في الأسر العربية، التي تعتير البوح علامة من علامات الضعف والنقص، وعدم الاتزان في الشخصية، خاصة لدى الرجل، بشكل يجعل الأفراد يعتادون دفع رغباتهم وأحاسيسهم إلى اللاوعي، ودفنها وإخفائها، ومجاهدة النفس في الانعطاف بها إلى غير طبيعتها، إما حياء أو جهلا، أو بسبب تربية خاطئة، تجد في البوح العاطفي ضعفا وسبة، أو منقصة وعيبا، أو تلاؤما مع العادات السائدة، والنظرة الفكرية المشتركة بين الأفراد عموما، والتي تمنع من إشباعها أو التعبير عنها.
 
فتجد أغلب النساء العربيات، باعتبارهن الفئة الأكثر مشاهدة لهذا النوع من الدراما، عشن خريف العمر قبل أوانه، بقلوب مجعدة ومتعبة أمام شاشة وجدن فيها ضالة عاطفتهن بما ترويه المسلسلات نيابة عنهن، وانعكاسا لحياة بداخلهن لم تكتب لها الحياة، خاصة أن أغلب العلاقات الزوجية أصبح يحكمها في بعض الأحيان النموذج المفارق، إذ تجد الوله والتعلق بنوع من شخصيات المسلسلات، ليس بسبب المظهر الخارجي الملفت بجماله، بقدر ما هي سمات الشخصية التي تظهر المثالية من خلال ما تتمتع به من حب حقيقي وصادق، إلى جانب تمسكها بمبادئ الأخلاق الرفيعة رغم العوائق. الأمر الذي دفع العديد من الأزواج إلى مراجعة نموذجهم الزواجي.
 
وقد تعود أغلب هذه المفارقات إلى مؤسسات الزواج اليوم، التي أصبح أغلبها قابعا على كف عفريت، لأنها لم ترتفع على قواعد، ولم تبن على الهدف الأساس منها الذي هو السكينة والأمان والسلام النفسي.
 

 قد يعاني الفرد من الاضطراب العاطفي داخل أسرته، فيشكل ذلك اعتلالا عاطفيا، يسبب حالة من الصراع النفسي، والتوتر، وعدم التوازن
 قد يعاني الفرد من الاضطراب العاطفي داخل أسرته، فيشكل ذلك اعتلالا عاطفيا، يسبب حالة من الصراع النفسي، والتوتر، وعدم التوازن
 

والدليل على ذلك نجاح أغلب الزيجات التقليدية قديما؛ لأن كلا من الرجل والمرأة كانا يعتبران الزواج قسمة ونصيبا، مرتبطا بتقدير الله تعالى، فيخضعان لأمر الله تعالى بسلام روحي، فيعبد كل منهما الله من خلال الآخر. مما يجعل الزواج هنا مدعما بإرادة إلهية أقوى من أي شيء آخر. فتغدو المودة والرحمة في حقيقتهما تدينا وعقيدة، ويغدو الحب الحقيقي ثمرة توفيق إلهي، قرين السلام، والأمان والسكينة، وريح من الجنة نابع من قلوب طاهرة وسليمة. وهو عطاء الفطرة الذي لا تكلف فيه ولا احتراف، وإحساس بالصلح مع النفس والدنيا والله، وهو صفة النفوس الخيرة، وحلة البيوت الطيبة. أما ما نراه في هذه المسلسلات فهو نفث من جهنم وخواء فكري، وما يسمونه حبا وعاطفة، ما هو في حقيقة الأمر إلا شهوات ورغبات حيوانية، ونفوس تشتغل على ضَعف الإنسان، وعلى عاطفته لتحقيق أغراضها المادية.

 
بل إن أثر هذه المسلسلات في نفوس بعض النساء دفعهن إلى التغيير في شكلهن، ظنا منهن أن مطابقة مقاييس جمال معينة سيشعرها بالكمال، وهو أمر مبني أساسا على ما تشبعت به من تربية تختصر القيمة الباطنية في الشكل الخارجي، ولا توَازن بين ماهو عقلي ونفسي وخارجي، فتجدها متحملة عبء عمليات التجميل وآلامها، أو متدربة على إخفاء طبيعتها وحقيقتها بنفسية هشة، فتصاب بالقلق والأمراض النفسية المختلفة، بسبب حرصها الشديد على استيفاء مقاييس الجمال الموضوعة، وتشعر أن مستقبلها أو علاقتها بزوجها ومحيطها، تتحدد بحجم أنفها، واتساع عينيها، وامتلاء شفتيها.
 
إن هذا الاضطراب العاطفي عموما، الذي قد يعاني منه الفرد داخل أسرته، قد يشكل اعتلالا عاطفيا، يحدث حالة من الصراع النفسي، والتوتر، وعدم التوازن الذي قد يمتد ليطال الجانب الصحي للإنسان، لأنه إذا استسلم لزوابع القلق والأرق والاكتئاب، أصبح فريسة سهلة لأمراض عدة مثل؛ السكري والذبحة والضغط الدموي، والأعراض الهضمية، وغيرها، وهي أمراض لا علاج لها سوى المحبة والتفاؤل والتسامح والإشباع العاطفي، لأن بها يحل الانسجام والنظام في الجسد والروح، وما الصحة إلا حالة الانسجام التام في الجسم.
 
وقد ربط بعض علماء النفس هذه السلوكات بالاحتياج العاطفي، وغياب التربية الوجدانية والروحية التي قد يعاني منها الشخص في طفولته، نتيجة إهمال الوالدين أو غيابهما أو انفصالهما؛ لأن إغذاق الأطفال بالعاطفة مهما كانت الظروف، واللعب معهم، ومعانقتهم، وإعطائهم حيزا من الوقت لسماع آمالهم وآلامهم ومشاطرتهم مراحل الحياة، يخرجهم من آثار العلاقات الأسرية التي يطبعها البخل العاطفي، والتي تنشئ فجوة عميقة في نفسيات الأبناء، تستمر معهم في الكبر وفي علاقاتهم داخل المجتمع.
 
بالإضافة إلى تجاوز ثقافة العيب قبل الحرام في تربيتهم، البعيدة كل البُعد عن مبادئ الدِّين، الداعية للمحبة، والألفة، والترابط، والتكافل. وتزويدهم بالقيم الدينية، والإنسانية والفكرية المعتدلة، التي تنمي في ذواتهم الثبات الانفعالي، وتجعلهم أكثر نضجا في التعامل مع ما يدور حولهم من اختلال في الفكر والعقيدة، وتشكل لهم حصانة ضد الاتباع الأعمى، الذي قد يغير مسيرة حياتهم إلى طرق مضللة وهدامة.
 
وعموما، فإنني لا أنكر صعوبة الظروف التي يعيشها الإنسان في سعيه وراء الرزق، لكن إذا أهملنا الجزء النفسي والعاطفي منا، أصبحنا تماثيل وآلات تحقق أهدافها بلا أي مشاعر، فكل منا بحاجة ماسة إلى إعمار فراغه ودماره العاطفي، حتى يشعر بإنسانيته التي ميزه الله بها عن كل مخلوقاته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.