شعار قسم مدونات

محطات خاوية تمر عبرها رحلة الإنسان

Blogs- station

بين كل مرحلة ومرحلة في الحياة، يمر كلّ إنسان -مُجبراً- في فترة ضبابيّة أسمّيها فترة (التخبّط)، فترة يعايش فيها الإنسان خليطاً من المشاعر الحساسة والزائفة من خوفٍ وحزنٍ ويأسٍ ووحدة، والتي يؤدي فيها مسرحيّةً كاملة يلعب جميع أدوارها وحده، دور المُخرِج الديكتاتور، ودور الضحيّة، وأيضاً دور البطل الذي تخطفه النهاية الحزينة، ثمّ يبدأ بالنواح وبالتصفيق لما أبدى من براعةٍ في مسرحيته القاسية، هذه الفترة تبدو آثارها على سلوك الإنسان وتأثيره وتأثّره، بل وترسم فوق ملامحه ملامحها، تُدخله في حالةِ عزلةٍ عن نفسه وعن أهدافه.

     

أنا أشبّه هذه الفترة بطريقٍ ضبابي تتربع فوق ضفافها وحوش وعلى الإنسان عبورها ليصل، هذه الوحوش -أي المشاعر- تحاول أن تنهش بأنيابها قدر الإمكان من الشخص العابر من هذه الطريق قبل أن يصل للنهاية، فعليك أن تحُثّ خُطاك و تتزوّد لهذه الرحلة المشؤومة الحتميّة قبل الولوج في أعماقها.

             

وإنّ الجانب الأسوأ فيها أنّها تجذب ضِعاف المشاعر لأوحالها، تُلقي عليهم قليلاً من الاهتمام وتسحبَهُم لأعماقها أكثر فأكثر، تُخدّرهم فيبقوا راغبين في البقاء فيها بقدر خوفهم منها .يدخل الإنسان في هذه الفترة لسببٍ مجهول الهويّة والهدف، المعروف فقط أن مصدره داخلي أي بدايته نفسها نهايته وهو الشخص نفسه ولا علاقة لأي مؤثرٍ خارجي في تشكيله، يُمسك بيد الإنسان المُهيّأ للدخول في هذه الحالة ويضعه على حافة المنحدر، فإما أن يتحضّر من قبل لهذه السقطة فيلملم شظاياه ويعود، أو يبقى هناك في الوادي جُثّةٌ تتحلّل عضواً فعضواً وحلماً فحلماً.

                    

يتعثر الإنسان في محطات كثيرة في حياته، يمر من واحدة ولا يمر من أخرى، لكن النهاية واضحة،فقط يجب عليه أن يبحث في داخله عن مصباحه الذي سيُعرّي له الطريق ليصل للنهاية
يتعثر الإنسان في محطات كثيرة في حياته، يمر من واحدة ولا يمر من أخرى، لكن النهاية واضحة،فقط يجب عليه أن يبحث في داخله عن مصباحه الذي سيُعرّي له الطريق ليصل للنهاية
             

وهذه الفترة أو الطريق -كما قلنا- يختلف طوله وخطره حسب الشخص ومدى إيمانه بنفسه وبقوته وبقدرته للرجوع إلى أصله الإنساني باعتباره الأقوى والأشرس بين الجميع، فما أن يصل للنهاية حتّى يسُلّ سيفه ويعود لمعركته في الحياة فارضاً أبجديّته وشروطه لا مفروضٌ عليه شيءٌ أبداً .إن ما ينتظر الإنسان بعد هذه الرحلة العاصفة، شمسٌ تنير روحه وتُريه حدودهُ جيّداً،  ليُدرك حينها أنه ارتقى درجةً في سلّم الحياة، وأن طموحه لا زال يكبُر وأهدافه تدنو منه شيئاً فشيئاً، فيُكشف بصرهُ في غابة الحياة القاسية ليستفيد من ميتاته وسقطاته السابقة، فيصبح كائناً لا يموت ولا يسقُط فقط يعرف المُضيّ قدماً وممارسة الارتقاء فوق ذاك السُلّم، برغم ما ينتظره من أهوال في دروبه.

           

المهم هنا، ستدخل هذه المرحلة كغيرك مُجبراً! ولكن لن تخرج منها كذلك، ستصل للضفة الأخرى إن أردت حقّاً الوصول. إنّ نهاية هذه الفترات واضحة بيّنة، فقط يجب على الإنسان أن يبحث في داخله عن مصباحه الذي سيُعرّي له الطريق ليصل للنهاية.

            

ما حجم الجراح التي سيحملها الواصل للنهاية على كتفيه؟ وما سعة كتفيه أيضاً؟ حين تصل أعتاب المرحلة الضبابيّة هذه عليك ألا تنزلق في وحل هذه البركة الموسميّة التي ستجفُّ قريباً وإيّاك ثم إياك أن تُغري شهيّتك لسلّة الاهتمام المؤقت التي تحملها لك والتي سرعان ما تذبُل. اعلم جيّداً أن هذا الطريق حتميٌّ عليك دخوله كما الجميع، أدخلها ولكن فقط حاول أن تصل للمرحلة القادمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.