شعار قسم مدونات

إلى المتنازعين في ليبيا.. يكفي أيها السادة

Blogs-libya

ضحى الليبيون بأرواحهم وفقدوا أرزاقهم من أجل أن تكون ليبيا دولة النظام والعدل لكل الليبيين بمختلف انتماءاتهم السياسية في ثورة تعد مدعاة فخر لهم لقد ثاروا وتطلعوا وعقدوا آمالهم من أجل أن تكون ليبيا ما بعد الثورة دولة ذات مؤسسات دستورية ونظام وقانون بعد أن كانت ما يقارب الثلاث والأربعين سنة منعدمة من كل شيء يوحي بأن هناك دولة قائمة حسب المفهوم المعاصر للدولة غير أن المشهد لم يأتِ على قدر التطلعات وأصبحت ليبيا دولة ذات ثلاث حكومات وبرلمانين ومصرفين مركزيين وكل ذلك نتج عنه تأزم الخلافات والانقسام بين الأطراف السياسية بعد الثورة عن بعضها البعض.

        

المؤتمر الوطني العام السلطة التشريعية الأولى بعد الثورة المنتخب في 7 يوليو 2012 الذي تسلم أعضاؤه في 8 أغسطس 2012 السلطة من المجلس الوطني الانتقالي والذي عقد جلساته في العاصمة طرابلس والمنتهي الولاية في 7 فبراير 2014 والمستعيد لشرعيته بعد حكم المحكمة الدستورية ببطلان مجلس النواب المنتخب في 25 يونيو 2014 والمنحل بحكم المحكمة الدستورية في 6 نوفمبر 2014 المنعقد في مدينة طبرق وأغلب أعضائه خارج البلاد والرافض لحكم المحكمة الدستورية بعدم شرعيته ولكل منهما حكومة ومصرف مركزي وقوى عسكرية يتبع لكل برلمان . 

          

هكذا أصبحت البلاد منقسمة بين الغرب والشرق وأتبع هذا الانقسام السياسي حرب عسكرية في الشرق والغرب ففي شرق البلاد انطلقت عملية الكرامة يوم 15مايو2014 بحجة مكافحة الإرهاب والانفلات الأمني تحديداً في مدينة بنغازي وقد دعمها البرلمان المنعقد في طبرق بعد أن بدأ في انعقاد جلساته علما بأن كل من يعارض فكرة هذه العملية أو يؤيد المؤتمر الوطني العام يعتبر إرهابيا في نظر مؤيدي هذه العملية ولكن العملية إلى يومنا هذا لم تنتهِ أما في غرب البلاد انطلقت عملية فجر ليبيا في 13يوليو2014 ضد قوات الصواعق والقعقاع الموالية لعملية الكرامة وذلك دفاعا عن الشرعية في البلاد كما يقول قادتها والتي دعمها المؤتمر الوطني العام ودارت معاركها في مدينة طرابلس ونجحت في بسط سيطرتها عليها ومعها أغلب مدن الغرب الليبي بوقت قصير .

                   

لقد أصبح من كان يعدهم الشعب سندا له بعد انتصار ثورته في بناء تطلعاته، طرفا رئيسياً في زيادة معاناته اليومية من انقسام سياسي وحرب عسكرية منها ما انتهي ودفعت بعض المدن فيها ثمناً كبيراً في الأرواح والدمار والتهجير لسكانها
لقد أصبح من كان يعدهم الشعب سندا له بعد انتصار ثورته في بناء تطلعاته، طرفا رئيسياً في زيادة معاناته اليومية من انقسام سياسي وحرب عسكرية منها ما انتهي ودفعت بعض المدن فيها ثمناً كبيراً في الأرواح والدمار والتهجير لسكانها
             

وبدعوى وضع حد للانقسام في البلاد جاء المجلس الرئاسي وحكومته المسماة حكومة الوفاق عبر اتفاق بعض الأطراف السياسية في 17 ديسمبر 2015 في مدينة الصخيرات المغربية برعاية الأمم المتحدة بهدف جمع الليبيين تحت جسم واحد وإلغاء أي جسم أخر قائم وقتها كما ادعى من وقفوا وراءها وساندها. بحسب الاتفاق يشكل أعضاء المؤتمر الوطني العام المجلس الأعلى للدولة ويعاد تشكيل البرلمان المنحل غير أن الانقسام تعمق بين الأطراف نفسها فشكل بعض من أعضاء المؤتمر الوطني العام المجلس الأعلى للدولة في 5 إبريل 2016 هو مجلس استشاري بحسب نص الاتفاق السياسي وانقسم باقي أعضاء المؤتمر الوطني العام بين مؤيد للاتفاق ومعارض له وأيضا البرلمان المنحل انقسم بين مؤيد ومعارض للاتفاق أما المجلس الرئاسي فهو في تخبط وخلاف بين أعضائه التسع بين من يصدر قرار و آخر يلغيه .

         

ومع هذا تعمق الانقسام واشتد الصراع على النفود بينهم حتى أصبح كل طرف منهم يدعىّ أنه يمثل الشرعية وأنه الأحق بتمثيل الشعب وأصبح كل طرف ينتقص من شأن الطرف الآخر ويتهم كل طرف الطرف الآخر بأنه سبب ما وصل اليه حال البلاد من أزمات وبإسقاطه تنتهي كل الأزمات التي تعيشها البلاد في هذه الفترة الدقيقة من عمرها حتى أن بعضهم أوهمته شرعيته المنشودة الاستعانة بالمرتزقة وتفضيل مصالح دولة ما على مصلحة البلاد التي يدعمونهم في حربهم ضد خصومهم وتقديم موارد البلاد كقرابين بغية نيل رضى دول فاعلة بعينها وهو ما يصور جليّا مأربهم وحقيقة نواياهم لكل ناظر على المشهد الليبي .

       

يكفي أيها السادة هذه البلاد الطيبة وشعبها الكريم كل هذا الانقسام والدمار الذي ما كان ليحدث أو لينتشر لولا انتهازكم لبعض الأزمات لإقصاء خصومكم وتحقيق أطماعكم

فلم يكن لأي من هذه الأطراف رؤية تؤسس إلى مشروع الدولة المنشودة أو تقديم أي مشروع يبدأ في بناء عقد سياسي واجتماعي لا ُيقصى فيه أحد مهما كانت زاوية الخلاف فيه تعصم دماء الناس وتبحث فيه عن حلول للأزمات ومشاكل المرحلة الانتقالية بعيداً عن خطاب الكراهية وتفريق الناس وحتى صوت الرصاص وآلة الموت أو رؤية واضحة في التعامل مع أي من هذه الأزمات والمشاكل التي مست الوضع العام وحياة المجتمع بشكل خاص بل إنها كانت معزولة عن المجتمع وأزماته غير آبه بالمسؤولية الحقيقة التي يجب القيام بها اتجاه وطنهم وشعبهم بل أنهم اهتموا بالصراع فيما بينهم الذي قد خلا من كل القيم والأخلاق، أصبح كل يرى طرف نفسه أنه الأجدر والأحق بالقيادة فرحا بما لديه.

         

لقد أصبح من كان يعدهم الشعب سندا له بعد انتصار ثورته في بناء تطلعاته طرفا رئيسياً في زيادة معاناته اليومية من انقسام سياسي وحرب عسكرية منها ما انتهي ودفعت بعض المدن فيها ثمناً كبيراً في الأرواح والدمار والتهجير لسكانها ومنها ما هو قائم لم ينتهِ والأوضاع الأمنية والاقتصادية التي تتأزم يوماً بعد يوم في كل البلاد التي معها أصبحت معاناة الفرد البسيط تزداد تأزماً فهي تسوء يوما بعد يوم، انهيار في أغلب القطاعات الخدمية في الدولة بدءاً من انقطاع الكهرباء لفترات طويلة وانقطاعات جزئية في اتصالات الهاتف والإنترنت وصعوبة الحصول على الدواء وصعوبة الحصول على تأشيرات السفر لعلاج المرضى خارج البلاد بسبب إغلاق أغلب سفرات الدول سفاراتها في البلاد والانفلات الأمني واضح ومعه أزمة اقتصادية أصبح فيها توفير لقمة العيش الكريم أمرا غير سهل من انهيار قيمة الدينار الليبي مقابل العملات الأجنبية و ارتفاع الأسعار بشكل كبير وصعوبة الحصول على المرتب الشهري والسيولة النقدية في القطاع المصرفي للدولة وأصبح المواطن يتجرع المعاناة ليل نهار.

         

لقد يئس الليبيون من هؤلاء المتنازعين ولم يعد لديهم ثقة في أي من الأطراف المتنازعة وأصبح عندهم أن ما يحدث لا يعدو كونه صراعاً على السلطة بين كل تلك الأطراف فقد بينت لهم عديد من المواقف والأزمات أنها كسابقيهم إلى السلطة كل همهم كيف يحصلون على حصتهم من المغانم والامتيازات الشخصية أما الشعب فعليه أن ينتظر ويصبر وأن يسمع الخطب والوعود منهم لا غير، يكفي أيها السادة هذه البلاد الطيبة وشعبها الكريم كل هذا الانقسام والدمار الذي ما كان ليحدث أو لينتشر لولا انتهازكم لبعض الأزمات لإقصاء خصومكم وتحقيق أطماعكم. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.