شعار قسم مدونات

عالم الأفكار وعالم المشاريع

blogs - people

لدينا نحن أبناء بلدان هذه المنطقة مشاكل متعددة ومتجذرة، إلا أن أشدها علينا بؤساً، وأعمقها في أنفسنا وبلداننا تأثيرا، هي مشاكلنا الإنسانية التي سببها الفكر الإنساني، فلا يتوقع لنا عالَمٌ مهم من مشاريع – ذات جودة كماً ونوعاً- كبيرة ومفيدة طالما نعاني في عالم الأفكار، فهما عالمان يكمل أولهما الثاني.

تعاني بلداننا من ثلاثية قاسية تسمى بثلاثية التخلف، الجهل، الفقر، والمرض، جميعها متأتي من نقص حاد في عالم الأفكار، وهذا الأمر مزمن للأسف الشديد، فعالم أفكارنا لمّا يَرَى النور بعد، ولنستمع لهذا النص الذي قاله الأكاديمي والتربوي المصري زكي مبارك في سنة ١٩٤٥ "يجب ان نغير الطريقة المتبعة في مدارسنا وهي طريقة التحفيظ، ونتبع الطريقة المثلى في التربية وهي طريقة التفهيم، وطريقة التفهيم هي أن يفهم التلميذ فهمًا صحيحا ما يعرض في الدرس من مختلف الأفكار والأراء، عند ذاك يهتاج شوقه إلى مناقشة ما يسمع وتثور فيه رغبة التفوق، فيناقش ويجادل، ويضمر في نفسه فكرة التغلب على الباحثين من رجال العلوم والآداب والفنون".

لم تستطع منظوماتنا الفكرية والتربوية أن تؤسس لعالم أفكار متنور ومتجدد وناقد، لقد قامت النظرية على أساس التلقين المحض، والتضليل أحيانا، فالسياسي اختلط – في بلداننا – بالتربوي بشكل فج ومؤذ، فلم تؤسس المنظومة على أساس تقديس الإنسان والفكر وإنما عبور مرحلة وتعظيم أشخاص معينين.

إن حركة التاريخ في ديمومة مستمرة، وهي حركة يتفاعل معها كل من يهم بقراءتها وتفكيك رموزها وطلاسمها، فعبارات مثل: التاريخ يعيد نفسه، وما أشبه الْيَوْمَ بالبارحة، إنما تعكس معادلة لها أسسها ومتغيراتها، وهي ليست اعتباطية أبدا

لقد تطورت النظم البشرية من حولنا تطورا هائلا وسريعا فلم يعد النظر إلى رأس المال باعتباره الأساس، ولا الأيدي العاملة، ولا كثرة الأسواق وبكارتها، وإنما أصبحت المعرفة وإدارتها واستثمارها أس النجاح؛ وهذه المعرفة إنما تتولد عندما يشاع الفكر الصحيح المتنور الناقد، فما حولنا من أشياء لم تكن سوى فكرة في عالم الأفكار ثم أصبحت مشروعا بين المشاريع، أن مشكلتنا التنموية والحضارية إنسانية في الأساس، وفكرية بشكل أدق، وليس كما يشاع من نقص في الموارد أو تآمر الأخر.

فكل ذلك شيء طبيعي في هذه الحياة، قد يقول قائل كيف لنا أن نقدم مشاريع في بيئة تعاني من نقص الأموال وغياب أو قلة البنى التحتية وانعدام المستثمرين، إن كان ذلك صحيحا فسببه ليس لذاته وإنما لغياب عالم الأفكار ومن ثم تقديمه للحلول، فالمشاريع الصغيرة والكبيرة منها من حولنا إنما رأت النور الذي أشاعه أفراد مفكرون لم يرضوا بواقع حالهم وغيروه فكريا أولا ثم عمليا على أرض الواقع.

إن حركة التاريخ في ديمومة مستمرة، وهي حركة يتفاعل معها كل من يهم بقراءتها وتفكيك رموزها وطلاسمها، فعبارات من قبيل: التاريخ يعيد نفسه، وما أشبه الْيَوْمَ بالبارحة، ….الخ، إنما تعكس معادلة لها أسسها ومتغيراتها، وهي ليست اعتباطية أبدا، وإنما زمن وأفراد، أو دولة ورجال، أو عصر ونهضة، فإذا ما قلبنا إحدى صفحات هذا التاريخ فإننا سنلاحظ أسماء كبيرة قد برزت وأنتجت وساهمت فدخلت لوحة الشرف التاريخية، فالعصور البشرية في الحقيقة إنما هي عصور أفراد، قادة، ملهمون، صبغوا عصرهم بطلاء أفكارهم ثم إنجازاتهم، فمن أراد التغيير فعليه أن يغير نفسه أولا، فكريا ثم عمليا.

أما كيف نشخص عالم أفكارنا الحالي وكيف نطوره ونتلمس ثماره؛ فهذا ما سنتكلم عنه في تدوينتنا القادمة، وحتى ذلك الحين أتمنى لكم أفكارا سعيدة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.