شعار قسم مدونات

الدعاء و"المتمشيخ" الساخر!

مدونات - دعاء مسلم مسجد صلاة

"هل يستجيب الله للدعاء الأجمل أم للدعاء الأصدق؟"

 

السؤال جيد، ويستحق بعض التفكير.. فنحن بالضرورة بحاجة إلى معرفة الأسس التي يُقبل الدعاء وفقاً لها.. كأن يكون الدعاء بالخير، وألا يكون في الدعاء معصية أو شر.. ولكن جمال أو صدق الدعاء أمر يستحق الوقوف عنده ملياً.

 

تابعت التعليقات على هذا المنشور بصمت، حتى بدأ صاحب المنشور يعلّق بنفسه تعليقات ساخرة على الأدعية الجميلة الموزونة كالشعر، إذ قال إنه لا يقتنع بالأدعية المنمقة التي تشبه الشعر، وذكر بعض الأمثلة على كلامه.. وفي رأيه فإنه يرى أن التكلّف لا داعي له في الحديث مع الله عز وجل، يكفي أن تكون صادقاً في دعائك حتى يستجيب الله لك.. لم يكتفي صاحب المنشور بذلك، فقد نعت كل تلك الأدعية بوصف بذيء حين قال إنها: "مسخرة "!

 

إن سخريته من تلك الأدعية المنمقة بالكلام الموزون والقافية والسجع، أثارت نوعاً من الاستفزاز بداخلي.. فكتبت تعليقاً أتوقع أنه أثار غضب صاحب المنشور، فقد لاحظت أن تعليقي حُذِف بعد دقيقة، وتم حظري من الصفحة! كان اعتراضي يتمحور حول كيفية إعطاء نفسه حق السخرية من أولئك الذين يحاولون تنميق الكلام في الأدعية ووزنه ليصبح شبيهاً بالشعر، لمجرّد أنه ينظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة عنهم، وهو ذاته الذي يتغنى بمقولة: "لا يفسد الخلاف للود قضية".. كيف لم يفسد للود قضية، وأنت تسخر من كل من يختلف عنك وتحاول أن تجعل منه محط سخرية الآخرين واستهزائهم، وتحظر وتحذف من قام بصدّك عن أفعال كتلك؟ 

 

لكل شخص الحرية في اختيار الطريقة التي تقربه من ربه، كما أن معرفة الله ليست حكراً على أحد، ومن كان يعرف الله حق المعرفة فإنه يعرف أنه لا يحق له السخرية من آخر

أستغرب من أمر ما، أن أشخاصاً مثله، يقفون احتراماً للشعراء والأدباء كأمثال نزار قباني وغيرهم.. نزار.. شاعر المرأة الذي كان يقضي الليل والنهار في كتابة الأشعار الغزلية، التي تصف جسد المرأة بالتفصيل، ويكتب أشعاراً طويلة يتغزل فيها بمحبوبته، والكثير كتاباته أقل ما يُقال عنها أنها "إباحية " المحتوى، إلا أنهم يرفعون له القبّعة ويصفقون له لساعات متواصلة ويحفظون أشعاره عن ظهر قلب، أما إن وجدوا شخصاً يحاول أن يكتب خطاباً منمقاً بلغة فصيحة جميلة إلى خالقه عز وجل، فإنهم ينهالون عليه بالسخرية والكلمات البذيئة ومحاولة تصغيره وتحقيره، لأنهم ببساطة يرون أن الدعاء الصادق كافٍ وليس بحاجة إلى التكلف في اختيار وانتقاء الكلمات. من منظوري الشخصي، حتى المحبوبة يا سادة ليست بحاجة إلى التكلف في الكلام، هي فقط بحاجة إلى الصدق، إلا أنه يُسعدها أن تسمع من حبيبها بعض الأشعار والكلام الجميل الغزلي الذي يشعرها بأنوثتها وأهميتها.

 
فإذا كان (س) يرى أن الله يستجيب للدعاء الأصدق، لا للدعاء الأجمل، فمن الممكن أن يحب (ص) أن يدعو الله بطريقة مختلفة جميلة كلامها موزون، ولا يمنع ذلك من أن تكون تلك الأدعية أدعية صادقة في ذات الوقت، فجمال الدعاء لا يتناسب عكسياً مع صدقه، والعكس صحيح.

 
أتمنى من أصحاب التفكير الملتوي ذاك أن يضعوا أمامنا تبريرات مقنعة لرفضهم لذلك النوع من الأدعية؟ إن كان الكلام المذكور فيها لا يسيء إلى الله عز وجل فما سر اعتراضكم عليها وسخريتكم منها وممن يدعو الله بها؟ 

 
قد تختلط المشاعر في قلب الإنسان، ويدعو ربه بكلمات متخبطة غير مفهومة بالنسبة لنا نحن البشر، إلا أن الله عز وجل قادر على أن يفهم حاجة الإنسان دون أي كلمات.. لكنني أرى أنه من المريح لنا كبشر أن ندعوه بدعاء مفهوم الكلمات، واضح المعاني، كي نكون مطمئنين أننا قد أوصلنا رسالتنا وحاجاتنا بالشكل المطلوب، وعبّرنا عما في دواخلنا بلغة واضحة مفهومة لنا.. ولذلك لا ضير في استخدام بعض الكلمات المنمقة والجميلة في دعاء الله عز وجل، فإن استخدام كلمات كتلك هو نوع من أنواع اللباقة والتأدب في الحديث مع الله. وإن لم يضِف شيئاً فهو بالتأكيد لن يضر.. حين نذهب إلى بيوت العبادة للصلاة فإننا أُمِرنا بأن نكون على أحسن صورة وأفضل هيئة وأطيب رائحة وذلك من باب التأدب واللباقة عند لقاء الله عز وجل، ولا بد "على غِرار ما ذكرت"، أن يُحسن العبد كلامه مع ربه في الدعاء والحديث.. والآن ما هي الحجة خلف ذلك الرفض؟ 

 

الدعاء هو وسيلة لتقرّب العبد من ربه، فإن اختار أن يحدّثه بلهجة عادية مريحة بعيدة عن التكلف فليفعل، وإن أحب أن يتقرب له بالكلمات الجميلة الموزونة وإن كانت أشبه بالشعر، فليفعل أيضاً، فإن لكل شخص الحرية في اختيار الطريقة التي تقربه من ربه، كما أن معرفة الله ليست حكراً على أحد، ومن كان يعرف الله حق المعرفة فإنه يعرف أنه لا يحق له السخرية من آخر وإن كان على خطأ وكنت أنت على صواب.. وتذكروا أن من يجعل من السخرية من الآخر المختلف، وسيلة لإثبات صحة فرضيته، فإنه لا يدل بذلك إلا على صِغر حجم عقله، وقلة ثقته بنفسه، وضعف حجّته وبراهينه.

 
توقفوا عن تفصيل الدين كما يحلو لكم، والتفتوا إلى ما يسيء إلى الدين حقاً.. توقفوا عن المتاجرة بالدين بالكلمات، فإنه والله ثمنٌ قليلٌ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.