شعار قسم مدونات

"بدون رقم وطني".. المهمَّشون في الأردن

blogs - jordan - gaza
تحدثنا حتى طفح الكيل، وانبرى حالنا، وجف حبرنا، وانتهت الكلمات، وبلغ السيل الزبى.. لا أتكلم عن حرب تاه أبناؤها، وتبعثر مشردوها، لا أتكلم عن الثكالى والمهمشين في الأصقاع النائية من جنوب أفريقيا، أو الروهينجا في ميانمار. إنما أتكلم عن الشريحة البائسة المهمشة، في الشرق الأوسط. شبان بلغوا العشرين وآباء بلغوا الأربعين وجدود في العقد السابع أو يزيدون، عاشوا في بلد السّلَامُ وولدوا فيها، وتعلموا وكان أكثرهم من حملة الشهادات العليا، فمنهم المهندسون ومنهم الأطباء ومنهم المعلمون. لكنهم لا يتمتعون بأدنى حقوق المواطن العادي، لم يقرر لهم مصير ولم يعلم لهم قرار، وكل ذنبهم أنهم (أبناء قطاع غزة)، لا تزال الحكومة الأردنية تعاملهم معاملة الوافدين، مع العلم أنهم عاشوا في هذا الوطن خمسين عامًا أو يزيد..
أبناء غزة في الأردن يعيشون مأساتهم ولا عزاء لهم من قريب أو من بعيد، من صديق أو من عدو. لا تزال المعاناة تفرش بسطها وتستريح على أحلام هذا القطاع وأبنائه، والنوائب التي تصيبهم لا تحصى ولا تعد. ماذا جنت هذه الأيدي حتى تقابل بهذه المعاملة؟ 

خرج أبناء غزة في الأردن رادين على ما يلقون من معاملة في بلدهم الثاني كما صرحوا، أو بلدهم الذي لم يعرفوا سواه منذ أن أشرقت شمس الحياة الأولى عليهم، ليقفوا وقفات احتجاجية تجاوزت نصابها في العام المنصرم والعام الحالي، وقد كانت وقفات سلمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليحصلوا على أدنى حقوق المواطنة؛ بيد أنهم كانوا الصوت الذي لا يسمع، والظهر الذي لا سند له، ليجدوا بعد ذلك كله أنهم غير مرحب بهم في بلد المنشأ.

ولا يزال أبناء غزة في الأردن يقفون حائرين بين البحث عن أسباب الحياة؛ ليؤمنوا قوت يومهم، والبحث عن عمل آخر يسددوا فيه فواتير العيش في هذا البلد

لماذا يعامل أبناء غزة هذه المعاملة، وتفرض عليهم ضرائب العيش، ضعفًا أو ضعفين، ويطلب منهم ما يطلب من غيرهم من الوافدين في هذا البلد، من تصاريحٍ للعمل، التي استحدثت فأصبح يلاحق الغزي الذي كان يعمل في عيادته أو شركته أو مدرسته سنين عدة، فيطالب الآن بتصريح حتى يُسمح له بالعمل، وإجراءات للإقامة، وموافقات أمنية للسفر، ويفرض عليه تشديدًا أمنيًا صارمًا إذا ما تتقل بين المحافظات، والويل لذلك المواطن (المؤقت) إذا خرج في نزهة مع عائلته إلى العقبة أو البحر الميت أو عرض على نقطة تفتيش إذ يأتيه رجل الأمن طالبًا هويته وعندما يراه من حملة البطاقة الخاصة بأبناء غزة كأنما رأى عفريتًا من الجن أمامه، فلا بد لذلك المغلوب على أمره أن يخضع لمساءلات، وتحقيقات في سبب خروجه، ومن يعرف في هذا البلد التي ولد فيها! وكم مرة سافر خارج البلد! لوهلة يظن نفسه أنه السبب في تفجيرات ديسمبر، وأحداث باريس، واحتلال العراق، وتفجيرات الكرك.. مع العلم أنه لم تسجل حادثة واحدة من أحداث الإرهاب في هذا البلد أو غيره، على يد غزي واحد.

لا يقف الحصار على أبناء غزة في غزة نفسها، إنما يمتد ليصل أولئك اللاجئين منذ عام ألفٍ وتسعمائة وسبعة وستين إلى اليوم في بلاد الشتات، فمن الحصار أيضًا أن تقيد لدى الإنسان حرية التنقل في بلد كان يحسبها بلده، وأن يحظر عليه التملك فيها، وأن يحظر عليه العمل إلا إذا كان قد امتلأ شاغر وظيفته ممن يحملون الرقم الوطني، وأن يعيش حياته كدرًا بكدر، وتنكيًلا بتنكيل، وأن تصبح أسمى أمنياته أن يتبناه وطنه ليرتضيه مواطنا فيه، بل وهذا أشد حصارًا من ذلك الحصار المفروض على الشعب كلِّه في بلدٍ ما، ولا يزال أبناء غزة في الأردن يقفون حائرين بين البحث عن أسباب الحياة؛ ليؤمنوا قوت يومهم، والبحث عن عمل آخر يسددوا فيه فواتير العيش في هذا البلد.

ولكن إلى متى؟ متى سيُسمع صوت الغزي الذي تقطعت أحباله الصوتية من شدة صراخه في بلاد الحضارة والعالم أصم أبكم؟ ولماذا هُم دون غيرهم؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.