شعار قسم مدونات

الرسائل المُشفّرة في أغنية "ديسباسيتو"

blogs - مغني

من العدم ظهر فأحدث ضجة بعد أن نُشر كمحتوى على يوتيوب، اشتهر على مواقع التواصل الاجتماعي وانتشر كالنار في الهشيم، ثم زاد في الانتشار بعد أن أصبح حديث وسائل الإعلام. من يسمع عن الظاهرة يُخيل له أن الأمر يتعلق بإبداع فني أو سمفونية فريدة أو عمل عبقري حتى، إلا أنه في واقع الأمر لا يعدو أن يكون سوى فيديو كليب ساهمت صورته ودقة اختيار لقطاته في لفت الانتباه والاستحواذ على أكبر نسبة مشاهدة في تاريخ اليوتيوب في ظرف ستة أشهر، ليغدو بذلك ظاهرة هذا الصيف الفنية حيث بات على عتبة 3 ملايير مشاهدة على يوتيوب وحده.

ديسباسيتو الإسبانية والتي تُترجم إلى العربية بمصطلح -ببطء- فيديو كليب لا تتجاوز مدته خمس دقائق، هو سريع الإيقاع على نقيض عنوانه مثلما هو سريع اللقطات الماجنة التي تثير المتلقي وتؤثر فيه في عصر تتسيد فيه الصورة وقوّتها المشهد لتطغى على كل إبداع وتقطع مع مبدأ الفن الهادف.

تبرز استراتيجية التسويق السياحي لبورتوريكو التي يستهلها الفيديو كليب نهاراً من أزقتها ودروبها المتفرعة وتصوير أناسها على أنهم أهل مرح وانفتاح
تبرز استراتيجية التسويق السياحي لبورتوريكو التي يستهلها الفيديو كليب نهاراً من أزقتها ودروبها المتفرعة وتصوير أناسها على أنهم أهل مرح وانفتاح
 

لم تكن ديسباسيتو لتُصبح ظاهرة فنية وتتبوأ المرتبة الأولى، وتتصدر معها الموسيقى والثقافة اللاتينية والإسبانية مشهد الفن الدولي لولا تلك التأثيرات البصرية التي حفل بها الفيديو كليب، فإسهام الصورة محدد أساسي ومرجعي أوجدَ للأغنية الخالية من أي نَظمٍ كلامي أو إبداع شعري مكانتها، فأخرجها من اللامعنى إلى الوجود.

ونكادُ نتفق بشكل جازم على رداءة الفيديو كليب وإباحيته المفرطة، إلا أن الأكيد أنه لا يمكن الاستهانة به وهو يحفل بعديد الرسائل المُشفرة التي تُجسدها اللقطات المختلفة برموز ودلالات تتقاطع معانيها وتلتقي في التأثير على قيم وثقافات معينة وترسيخ صور نمطية بعينها.

تسويق وجهة بورتوريكو:

يُستهل الفيديو كليب بمشاهد من ساحل عاصمة بورتوريكو، سان خوان، تبدو الأمواج الهادرة وهي تتلاطم، وفي الخلفية يتردد صوت النورس ثم تبرز من زاوية عليا منازل ضاحية -لابيرلا- القلب التاريخي النابض لذات المدينة، وقد زُينت واجهاتها بألوان زاهية مختلفة دون التركيز على تفاصيلها لبث نوع من الفضول لدى المشاهد لاكتشاف المنطقة وزيارتها، وهنا تبرز استراتيجية التسويق السياحي لبورتوريكو التي يستهلها الفيديو كليب نهاراً من أزقتها ودروبها المتفرعة وتصوير أناسها على أنهم أهل مرح وانفتاح ويختتمها ليلاً بناد ليلي تتمايل فيه الخصور ويحضر فيه الجسد وما تُمثله عوالمه من معان ودلالات، فتستهدف بذلك استراتيجية الترويج السياحي كل الفئات الممكنة. فكان للفيديو كليب ما أُريد له وما هي إلا أشهر معدودة بعد انتشار فيروس ديسباسيتو حتى سجلت السياحة في بورتوريكو ارتفاعا بنسبة 45 في المائة.

مريم العذراء، صليبٌ وقصة شعر:

مع تحول التركيز إلى العارضة الرئيسية (model) يبدو تمثال مريم العذراء (كما تتصورها العقيدة المسيحية) يمينَ الصورة مُشكلاً الرمز الناقل للمُشاهد من تمهيد لا يتعدى عشر ثوان إلى مضمون العمل، لتبدو العارضة بدورها وهي ترتدي صليباً، ثم يعود ذات تمثال مريم العذراء للظهور.

التيمة الناظمة للفيديو كليب تقوم إذن على الجسد ومفاتنه، فتُكرس الصورة النمطية التي يُراد وسم المرأة بها ومعها العلاقات التي تربط الجنسين لتحصرها في الجنس والمجون

ينتقل المشهد إلى مجموعة من المسنين المتحلقين حول لعبة الدومينو فيظهر مسنٌ وهو يرتدي صليبين اثنين حول عنقه، فمن السذاجة أن نحسبَ حضور الرموز الدينية في أعمال تبتغي التمرد على القيم والعادات والانسلاخ عن الأخلاق حضوراً اعتباطياً، بل له استراتيجية وغاية أساسيتان، فالصورة تغزو الثقافات المختلفة مثلما تحتل تيماتها عقول المراهقين قبل الشباب البالغين، فتجد لها منفذاً تؤثر من خلاله على معتقدات الشخص وإيمانه ومن ذلك أن يُفرض هذا التصور العقائدي في عمل بعيد كل البعد عن ماهيات الدين ومبادئه.

ولعل ما يشد الانتباه أكثر هو اختيار العارضين الراقصين في الخلفية عن قصد من أعراق مختلفة، فتظهر الشقراء وذات الأصول الإفريقية ثم اللاتينية، وفي ذلك رسالة ضمنية تبتغي تدويل الظاهرة ونسخها فتغدو مطابقة لتمظهرات كل أطياف المشاهدين عبر العالم.

وتأتي صورة الصبي وهو يحلق رأسه لتؤكد أن الأمر يتعدى ظاهرة فنية إلى استراتيجية تعتمد على قوة الصورة لتعميم مفاهيم وفرض موضات تتسلل عمداً من ثنايا الصورة لتتمثل واقعاً وتُترجم نسقاً ينهجه من يتأثر بالصورة.. ولا شيء أسهل من تأثير الصورة إذا غاب الوعي والتحليل السليمان.

المُطمئن في الأمر أن تفاعلات من شاهدوا ديسباسيتو من عرب وعجم أجمعوا على رداءتها، مثلما أجمعوا على أن كلمات الأغنية تتحدث من أولها لآخرها عن الجنس ولا شيء غير الجنس، لدرجة أنها تشابه سيناريو فيلم إباحي، هو ذاته الرأي الذي اتفق عليه حتى من نعتبرهم متحررين فكرياً من شعوب الغرب، من أوروبا صعودا إلى الدول الإسكندينافية مرورا بأمريكا الشمالية ونزولاً حتى أستراليا، الكل أجمعَ على أن شهرة العمل لا ترقى لكلماته ولا حتى لطريقة إخراجه التي يطغى عليها حضور الجسد ويغيب عنها الإبداع.

التيمة الناظمة للفيديو كليب تقوم إذن على الجسد ومفاتنه، فتُكرس الصورة النمطية التي يُراد وسم المرأة بها ومعها العلاقات التي تربط الجنسين لتحصرها في الجنس والمجون، وتبصم على دونية في القيم وتغييب لصفاء الروح والاحترام الذي وجب أن يطبع العلاقات الإنسانية. وقدْ أُجمل مجموع ملاحظاتي حول العمل في أنه استهلاكي بامتياز ينهل من أبجديات الصناعة الموسيقية (Music Industry) المتوحشة والمقامرة بطبيعتها والتي لا يهمها المحتوى ولا الرسالة بقدر ما يهمها الربح والانتشار.

صحيحٌ أن العملَ لا يحملُ إبداعاً يُذكر ولا يختلفُ في شيء عن باقي النسخ المطابقة، إلا أن تلك الرسائل المشفرة التي تُبث بين ثانية وأخرى، وتتخذ هيئات ورموز مختلفة تستحقُ التحليل وتفكيك مدلولاتها لتبيان ما تصبو له من تأثير.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.