شعار قسم مدونات

الدبابات المرصوصة وصناعة الرعب الزائف

مدونات - الدبابات المصرية

في عام 1996 كنت ضابطا في لواء المدفعية بالفرقة السادسة المدرعة بعد أن تخرجت في الكلية الفنية عام 95 وكانت الفرقة المدرعة على وشك تفتيش حرب وهو أعلى مستوى للاستعداد القتالي بالجيش. والحقيقة أن مشهد الدبابات المرصوصة مشهدا مهيبا والهدف منه هو صناعة الرعب؛ ولكنه بالتأكيد ليس للعدو الذي يمتلك جيشا مشابه؛ لأن هذا العدو يعلم أن الحروب ليست هكذا وأن الدبابات المرصوصة ليست علامة قوة ولكنها تحمل رسائل أخرى.

وقبل التفصيل في ذلك دعونا نرى ما هي تلك المدرعات المرصوصة وماذا تفعل؟ لو تعرفنا عليها تعرفا سريعا فهي تنقسم إلى دبابات وهي الأشهر، ومدافع تتحرك على عربات مدرعة لزيادة حمايتها وأيضا عربات نقل جنود مدرعة وكل منها له تسليحه الخاص الذي يختلف من نوع إلى آخر لحماية المركبة. إلا أنها جميعا مصممة لتعمل في مساحات واسعة، فالدبابة لا يمكنها العمل في الشوارع داخل المدن لأنها تصبح صندوقا متحركا للموت، وأقصى ما يمكنها فعله هو الوقوف في الطرق الرئيسية الواسعة لتبدي قدر من السيطرة على مفاصل المدن، وهي تحتاج لمن يحميها في دوائر الرؤية حتى لا تتعرض للقصف لأن أسوأ وضع للدبابة وهى متوقفة وكأنها تنتظر الموت.

الخطر الحقيقي على الثورة الشعبية ليس كل هذه الدبابات والمدرعات المتراصه فهي تؤدي دورها قبل حدوث الثورة أو في مراحلها الأولى كي تبث الرعب في قلوب الشعب.

إذا فالدبابة مُنْتَجة كي تعمل ضد دبابة أخرى؛ وفي مساحات واسعة وليست مصممة للعمل في الشوارع وحروب المدن، إلا أن شكلها الضخم يثير الرعب في الشعوب وخاصة مع غياب المعرفة بطبيعتها ومهامها وقدرتها على التحرك وطرق التعامل معها داخل المدن. وأيضا المدافع المحمولة على المدرعات مصممة كي تقوم بعمليات قصف بعيدة المدى حسب قدرتها، ولا يمكنها التجول داخل المدن وإذا فعلت ذلك فهي لا تختلف عن عربة جيب قوية في مستوى تسليحها وما يختلف فقط هو مستوي قوة الدرع، وهذا غير مجدي في حروب المدن. حيث أن تعدد وسائل التعامل معها في الشوارع لا يجعل دروعها لها قيمة تكتيكية أو دفاعية. والنوع الثالث هو ناقلات الجنود المدرعة وأيضا ما تتميز به هو الدرع القوي نسبيا وهذا أيضا ليس له قيمة كبيرة في حروب المدن حيث أن طرق مواجهتها لا تتأثر بقوة الدروع.

إذا ما يمكننا فهمه أن كل المدرعات المرصوصة في عرض مهيب ما هي إلا محاولة لتصدير رسالة امتلاك القوة المفرطة، وبالتأكيد ليست للعدو الخارجي، فالعروض العسكرية بهذا الشكل هو أداء مسرحي ليس له علاقة بمستوى القوة الحقيقي للجيوش؛ ولكنها رسالة بالتأكيد إلى الشعب لإرهابه بكل هذا الحجم من القوة، وكما ذكرنا كلها رسائل مضللة وخادعة تحاول إيهام الشعب بمدى القوة ولكنها تخفي عنه أن كل هذه القوة تتحول لسراب داخل الشوارع وهو الميدان الحقيقي للثورة.

إن الخطر الحقيقي على الثورة الشعبية ليس كل هذه الدبابات والمدرعات المتراصه فهي تؤدي دورها قبل حدوث الثورة أو في مراحلها الأولى كي تبث الرعب في قلوب الشعب، ومقاومتها ليست صعبة وإخراجها من معارك المدن أمر ليس صعبا وفي المتناول، ولذلك لا تراها إطلاقا في الشوارع عند تطور الأحداث ووصولها لمستوى متقدم من المواجهة بالتأكيد ليست المظاهرات المليونية أحد تلك الوسائل.

undefined

وتبقي الميليشيات المنظمة بالشارع التي يمكنها المواجهة هي الأخطر وفي الغالب هي قوات غير نظامية بعضها من المرتزقة والبعض الآخر من قوى شعبية مناوئة للثورة ومرتبطة عضويا بالنظام، والعامل الآخر الخطير هو القوات الجوية هي الدرع الرئيسي لأي نظام مستبد وتحييدها عن المعركة هو انتصار ساحق لا لبس فيه. وربما هاتان القوتان" القوات الجوية والميليشيات المسلحة" هما العاملان الخطيران، وظهرا في كل الثورات المعاصرة والقريبة تاريخيا، ولذلك تجد منظومة إدارة الميليشيات المسلحة شديدة السرية وتفتقد لمعلومات عنها ، وكذلك القوات الجوية فهي سر الأسرار لأي نظام عسكري وبالذات الأنظمة المستبدة.

بدلا من أن تكون مصر مركزا لحماية الشعوب العربية والإسلامية أصبحت مركزا لوأد محاولات التحرر برعاية أكبر الخونة في تاريخ مصر والأمة.

أريد العودة إلى موضوع الفرقة السادسة وتفتيش الحرب، فهناك عدد من المظاهر التي تؤكد أن هذه الدبابات المتراصة ما هي إلا مظهرا لصناعة الرعب للمجتمع، أولها أننا استهلكنا ثلاثة أشهر كاملة في إعداد مشابها للذي رأيتموه بالأمس القريب في رص المعدات بهذه الدقة التي تثير الإعجاب الزائف، نعم ثلاثة أشهر لأن ما يزيد عن نصف هذه المعدات لا تعمل وبلا محركات وتقطر بعضها بعضا كي تقف هكذا، كما أن المدافع الخاصة بها غير قادرة على الحركة ومعظم أجهزة التحكم غير صالحة، وقد استهلكنا هذه المدة في دهانات المعدات بكميات هائلة من البويات اللامعة وهي حتى غير قابلة للمواصفات، فالمفروض أن يكون الطلاء الخارجي مضاد للنيران ولكن لا بأس فالمهم اللون فقط.

إن حجم الفساد الهائل داخل هذه المؤسسة الخائنة يختبئ بدقة تحت ألوان براقة وأعلام ترفرف في الهواء ولكنها تخفي داخلها عفنا لا يحتمل، وكما ذكرنا تبقى الأزمة في القوات الجوية التي لم تستطع حتى الآن الثورات التعامل معها ويجب عليها أن تحاول كما يجب أن تجد وسيلة لحماية نفسها من الميليشيات المسلحة، إلا أن ما يعنينا الآن أن كل هذه المدرعات المرصوصة ليس لها وزن في حروب المدن وما هي إلا وسيلة لبث الرعب في رجال الثورة.

وفي النهاية لا أجد سببا لتلك القاعدة العسكرية المجهولة النسب إلا غزو الشرق الليبي ووجود الانقلابي الليبي مؤشرا على تلك الخيانة، لقد توحدت قوى الظلام والاحتلال وقررت أن يكون مركزها مصر، فبدلا من أن تكون مصر مركزا لحماية الشعوب العربية والإسلامية أصبحت مركزا لوأد محاولات التحرر برعاية أكبر الخونة في تاريخ مصر والأمة، ولعل كل ما يحدث الآن هو تجميع كل هذه القوة الزائفة في مصر حتى يكون انتصار الثورة المصرية عظيما وكاسحا كما كانت موجة الثورة المضادة قوية وعاتية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.