شعار قسم مدونات

"المعرفة".. سلاح المستشرقين الجدد

blogs مكتبة

إن الإلزامية الحضارية والتاريخية تفرض على المسلم المعاصر أن يكون على اطلاع مباشر ومستمر على ما يُنشر عنه حول العالم، بحثاً وتقصياً، تحليلاً ونقداً واستشرافاً. ولما كانت المعاني التي صنعها الفكر الغربي للإسلام والمسلمين مما ليس له وجود خارج أذهانهم أصلاً، إنما كانت هي ترسبات ذهنية وفق ما يريد الفكر الغربي أن يراه في العربي المسلم أو ما يُريه عن العربي المسلم.

وقد كانت مقدمة ذلك، حينما استطاع المستشرقون الوصول إلى المصادر الأصلية، وبذلك لم يعودوا يعانون من صعوبة التواصل مع المسلمين بل أصبحت أداة ترفد المستشرق بآراء حول الشرق مما أدى إلى إعادة إنتاج الشرق حسب رؤية المستشرق وليس حسب رؤية الشرق حقيقة.

وانطلاقاً من أصل الاستشراق اللغوي والاصطلاحي فإن جذور كلمة استشراق لغوياً تعود إلى الاستشراق من الشرق، يقال: طلع الشرق، والتشريق أيضاً الأخذ من ناحية الشرق، ويقال: شتان بين الشرق والغرب. وعلى هذا فمعنى الكلمة يدور حول: جهة الشروق، والضوء (والذي يتبادر إلى الذهن عند ذكر الشمس). فسمي الاستشراق بذلك لأن أهله (الغرب) طلبوا علوم المسلمين والعرب، وبحثوا في الإسلام، وهو الذي كان مبدؤه من جهة الشرق بالنسبة لهم.

لقد أصبح الإسلام بكل ما يتعلق به من تيارات وجماعات هو مادة البحث الرئيسية عند مراكز الفكر الأمريكية عن طريق تسويق معرفة متحيزة تريد خلالها تجسيد واقع جديد في المنطقة العربية

وعليه، يتبلور معنى الاستشراق اصطلاحاً في الدراسات التي يقوم بها الغربيون لقضايا الشرق لغرض التعرف على العالم الشرقي من خلال الدراسات اللغوية، والسياسية، والاجتماعية، والدينية، والتاريخية، والعادات، والتقاليد. أما المستشرقون، فهم في غالبيتهم من رجال الدين اليهود والمسيحيين، وهذا لا يمنع أن يكونوا من السياسيين وعلماء الانثروبولوجيا والرّحالة والمستكشفين.

وربما هناك الكثير من الأسئلة التي يطرحها القارئ، تصب في ماهية المستشرقين الجدد وصِلتهم بالاستشراق القديم. فبعض الباحثين يفضل وصف الظاهرة الاستشراقية الحديثة بــ "الاستشراق المجدد" أو "المتجدد"، بدلاً عن "الاستشراق الجديد"، لأن الاستشراق المعاصر وبالرغم من التغييرات التي طرأت عليه لا يمثل حالة قطيعة عن الاستشراق القديم، إنما هو استمرار ومحاولة لاستثمار الأدوات العلمية الحديثة.

إن الاستشراق المتجدد يقوم على نظرة كلاسيكية متجددة الأهداف والنتائج. ومن أهم نماذج وأدوات هذا الاستشراق في الألفية الثالثة نجد مراكز البحوث أو ما يسمى: "مستودعات الأفكار"، حيث هدفها الرئيس تقديم بحوث ودراسات تتعلق بالقضايا والسياسات العامة للدول الغربية، ودعم صنّاع القرار، ويوجد الكثير من الحكومات والأجهزة التنفيذية في العالم تعتمد على مراكز بحثية وعلى دراساتها وخبراتها، وربّما عُدّت تلك المراكز هيئة استشارية لتلك الجهة أو الجهاز الحكومي، يُعنى بعضها بالشؤون الأمنية والاستراتيجية، وأخرى في الشؤون الخارجية، بالإضافة إلى أن العديد من تلك المراكز توفر ميزة مهمة لصانع القرار والذي يحتاج لدراسة دقيقة وشاملة عن مناطق معينة. ولعل من أهم المناطق التي نالت اهتماماً كبيراً من طرف مراكز الأبحاث الغربية والأمريكية على وجه الخصوص منطقة العالم الإسلامي.

لقد أصبح الإسلام بكل ما يتعلق به من تيارات وجماعات هو مادة البحث الرئيسية عند مراكز الفكر الأمريكية عن طريق تسويق معرفة متحيزة تريد خلالها تجسيد واقع جديد في المنطقة العربية، وكُتبت في ذلك الأبحاث والتوصيات والتقارير، وتناولت العديد من الأبحاث صورة الإسلام الذي يمكن أن يكون معتدلاً وسبل وآليات توجيه المسلمين لهذا النموذج الإسلامي "الأمريكي المعتدل"، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، بل أصبحت فكرة استباق العدو _الإسلام والمسلمين_ والحرب الوقائية مكرسة في السياسة الأمريكية، وأصبحت جزءاً من استراتيجيتها الجديدة.

undefined

ومن أخطر هذه المؤسسات التي تناولت هذه المواضيع نجد "مؤسسة راند" اختصارًا للكلمات الإنجليزية Research And Development ) المعروفة بقربها من دوائر صنع القرار وتداخلها معها. فتقارير هذه المؤسسة تمتاز بالعمق السياسي والاستراتيجي، ومن أخطر ما يمكن قراءته من تقارير صادرة عن هذه المؤسسة:

* تقرير راند 2005 الإسلام المدني الديمقراطي: وهو تقرير صرّح بأنه لا يمكن إحداث الإصلاح المطلوب في المنطقة "الشرق الأوسط" إلا بفهم طبيعة الإسلام الذي يقف سداً منيعاً أمام محاولات التغيير، وأوصى بدعم التيارات العلمانية والحداثية ومحاربة الأصولية.

*  تقرير راند 2008 كيف تتلاشى الجماعات الإرهابية: وهو تقرير خلُص عبر دراسة متأنية أن التدخل العسكري الكامل ليس مجدياً، إنه لا يقضي إلا على 7 بالمئة من التنظيمات الإرهابية، فكانت التوصية أن يتم التعامل مع هذه الجماعات من خلال طرق أخرى أثبتت كفاءة أعلى، كدمجها في العملية السياسية عن طريق الضحك عليها بلعبة الديمقراطية.

* ومؤخراً في 2015 نشرت تلك المؤسسة تقريراً بعنوان "خطة سلام من أجل سورية"، تتضمن حلاً مقترحاً للأزمة، يقوم على إقامة مناطق آمنة في سورية لوقف إطلاق النار، ويكون ذلك من خلال تقسيم البلاد إلى مناطق على أسس طائفية وعرقية.

أن يُقرأ ويُفهم ويُنشر ما يعدّه الغرب بعتاده واستراتيجياته بعيدة المدى ضد الفرد المسلم، يشكل نداء للرأي العام في كل أنحاء العالم، وصرخة للاطلاع على عنجهية القوي وفضح تهديده وابتزازه

ولك أن تتصور أيها القارئ أن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي سبق وأن تحدثت عنه في مدونة سابقة " تمييع الهوية المشرقية وخلق هوية شرق أوسطية جديدة " لم يكن إلا أطروحة سياسية للباحث " برنارد لويس وهو من عائلة يهودية " الذي كان من أكثر الأكاديميين تأثيراً على صانع القرار في إدارة جورج بوش.

ولو دققنا جيداً في محتوى هذه الدراسات سنجد ترابطاً وامتداداً وتكملة لمشروع الولايات المتحدة الأمريكية الكبير في العالم الإسلامي، فعندما يتم مثلاً تبني استراتيجية "الإسلام المدني الديمقراطي" سيتم بذلك تجاوز الهوية الحضارية والثقافية للعالم الإسلامي من جذوره وبالتالي تعميق الانفصال والتجزئة بين دوله بعضها بعض كما هو حاصل الآن في أغلب دوله.

ولنا أن نستنتج، أن الغرب لا يدخر جهداً في دراسة وتحليل الواقع الإسلامي والعربي، ولا يمكن تفسير ذلك التخوف الغربي من العالم الإسلامي بأسباب اقتصادية وسياسية فحسب، بل خوف من الإسلام عقيدة وشريعة وعمل، الذي جعل من مراكز الأبحاث الغربية تدرك أن الحرب مع المسلمين الآن هي حرب معرفية عقائدية في المقام الأول.

وأخيراً، أن يُقرأ ويُفهم ويُنشر ما يعدّه الغرب بعتاده واستراتيجياته بعيدة المدى ضد الفرد المسلم، يشكل نداء للرأي العام في كل أنحاء العالم، وصرخة للاطلاع على عنجهية القوي وفضح تهديده وابتزازه. وأهل الغرب كما ذكر أحد الباحثين: "هم الأقوياء وهم أصحاب الكلمة العليا، وهم الذين يهددون ويحاصرون ويحاربون ويقتلون، وهم دائماً معنيون بإبقاء جدلياتهم الاستغلالية تحت الطاولة حتى لا تلاحقهم الإدانات".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.