شعار قسم مدونات

"الجرين برجر" والانسحاق الحضاري

blogs - falafil

في ثمانينيات القرن الماضي بدأت المتاجر والمحلات المصرية في وضع عناوين بلغات أجنبية كأسماء لها، ولم تكن بالضرورة بالحروف الأجنبية بل كانت خليطا؛ فجزء منها استخدم حروفا أجنبية وجزءا آخر كان يكتب بالحروف العربية أسماءا أجنبية، حالة كبيرة من الفوضى أخذت في الاتساع.

وكان التقييم "الحضاري" للمكان بحسب اقترابه أكثر من النمط الغربي الكامل، فالأكثر تحضرا هو من يستخدم اسما وحروفا غربية، حالة غريبة أخذت في التمدد مع معارضة كبيرة استمرت في التراجع حتى اختفت تماما، ووصلنا الآن إلى مرحلة الجرين برجر وهي – لو صح التعبير – التعبير النهائي عن الانسحاق الحضاري.

الاحتلال في ذاته هو رغبة من المحتل في إثبات التفوق الحضاري – بالمناسبة هذا غير صحيح – وبالتالي هناك صورة ذهنية تنطبع في ذهن الكثيرين تدفع إلى تبني سلوكيات وتصرفات وبالتالي لغة المحتل

فاللغة ليست مجرد أصوات تصدر من أجل التواصل ولكنها أكبر من ذلك بكثير، فهي أحد أهم أصول الحضارة؛ وهي صوت الأفكار والمعبر عنها، فالكثير من الأفكار تسقط وتنتهي في عقولنا ما دمنا لا يمكننا التعبير عنها باللغة مرآة العقل.

واللغة أيضا لها شخصية تطلب من المتحدثين بها أن يحترمونها، واللغة العربية حالة فريدة من الثراء والجمال وهي روح الأمة وقلبها، بل وربما من أقوى الوسائل التي نحافظ بها على هويتنا ووجودنا. إذا لماذا نعاملها هكذا بكل هذا الكره والتدمير.

ما تتعرض له اللغة العربية في مصر خاصة وبالتأكيد باقي الدول الناطقة بالعربية هي جريمة متكاملة، وبالتأكيد التأثير الامبريالي الطويل على المجتمعات العربية كان له أثرا سلبيا في بقاء اللغة كأحد أعمده الهوية، فالهوية نفسها كمفهوم أصبحت محلا للمراجعات فما بالنا باللغة.

أثر الاحتلال سلبيا على المجتمعات العربية وحدث تشوه كبير في أنماط الحياة وأنماط التفكير، كما أن "كبار المثقفين العرب" كانوا أحد الأدوات الكبرى في تشويه كل ما له علاقة بتاريخنا والأصول الحضارية لمجتمعاتنا حتى أصبح الاقتراب من الدفاع عن الثقافة والحضارة مع الوقت هو تخلف واضح لا لبس فيه.

ولعلنا نحتاج لأن نفرق بين الأصول الحضارية والثقافية لمجتمعاتنا وهي ثابتة – أو نظنها كذلك- ، ومن ناحية أخرى التشوهات التي حدثت نتيجة لعدم تطوير الأدوات والابتعاد عن تلك الأصول، ولا يمكننا أن نطيح بكل الأصول من أجل فساد المظهر ولكن ذلك ما فعله بنا مثقفونا العرب، وأصبح كل ما يمت بصلة لمظاهر وأصول الحضارة العربية والإسلامية هي حالة تخلف واضحة وبالتأكيد كانت العداء والتدمير للغة أحد أهم تلك المظاهر.

اللغة هي أصل الحضارة وأصل الثقافة، وأحد دلالات الانسحاق الحضاري الحالي؛ بالإضافة إلى دعم العدو وتدمير الذات من البعض؛ هو تدمير اللغة

إن الاحتلال في ذاته هو رغبة من المحتل في إثبات التفوق الحضاري – بالمناسبة هذا غير صحيح – وبالتالي هناك صورة ذهنية تنطبع في ذهن الكثيرين تدفع إلى تبني سلوكيات وتصرفات وبالتالي لغة المحتل على أن هذا هو سبب أو مظهر للتفوق الحضاري، فمن البداية هناك دوافع الإحساس بالهزيمة التي تبرر استخدام لغة المحتل الأقوى، وزادت المأساة بالدفع من المثقفين البارزين في هذا المسار.

أصبح الآن الحديث بالفصحى مدعاة للسخرية اللاذعة بل وأصبحت الآن وسيلة البعض للاستهزاء والتندر، ومنذ زمن يصبح استخدام اللغة الأجنبية أو كلمات منها بمناسبة أو بدون هو أحد مظاهر التطور الحضاري، وتطورت الكارثة باستخدام الحروف الأجنبية في كتابة الكلمات العربية، وتحولت الملابس إلى أدوات عرض ليس فقط كإعلانات متحركة كما وصفها أستاذنا الراحل عبد الوهاب المسيري؛ ولكنها كإعلان عن غزو لغوي ساحق.

كل ذلك مظاهر للهزيمة الحضارية الكبرى التي نعاني منها وسط كتم كامل لأي صوت ولو على استحياء للكف عن كل ذلك العبث. وفي هذه الأيام الفارقة التي يجتمع علينا القاصي والداني من كل أطراف الأرض لسحقنا سحقا شاملا نجد تطورا أخر أرى أنه أسوأ ويسير بنا من الهزيمة الحضارية إلى الانسحاق الحضاري، وذلك بتطوير استخدام اللغة ليس فقط فيما هو حاضر ومستورد من الغرب؛ ولكن بتغيير ما تعودنا عليه من تراثنا الذي هو بالتأكيد جزءا من وجودنا وهويتنا. إن الهزيمة قد يعقبها نصر أما الانسحاق فهو يعني خروجنا من التاريخ.

undefined

القضية ليست في "الطعمية" التي أصبحت "جرين برجر" ولكن في دلالة تغيير الأسماء القديمة التي تناقلتها أجيال طويلة؛ وهي بالتأكيد لها مظهر حضاري ما، وتصبح فجأة لا تكتب فقط بحروف أجنبية؛ بل يعاد تسميتها بمعنى غريب ليس له علاقة بسياقه التاريخي ولا مخزونه الحضاري الذي فقدنا منه الكثير ولم يعد لنا إلا القليل.

إن هذا المسار هو استمرار للانسحاق الشامل أمام حضارة أخرى تبدو متفوقة، وهو يعنى في العقل الجمعي الرغبة في تحطيم كل ما تبقي مهما كان بسيطا باستخدام لغة الأخر، والغريب هو الانتشار السريع لهذه المصطلحات الشاذة وكأنها لاقت استحسانا فور خروجها للعلن، فلا عجب أن نصحو يوما ما ونجد المدينة قد أصبح "لابور كامبينج" والمسجد "براينج اريا" كما يسمونه في بعض المناطق.

أخيرا اللغة هي أصل الحضارة وأصل الثقافة، وأحد دلالات الانسحاق الحضاري الحالي؛ بالإضافة إلى دعم العدو وتدمير الذات من البعض؛ هو تدمير اللغة، ولا يمكن تحديد ما إذا كان حصار اللغة هو نتيجة طبيعية للهزيمة النفسية أم أنه أحد أدوات العدو لإيقاعنا الهزيمة الشاملة التي لا نهوض بعدها. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.