شعار قسم مدونات

لماذا نقرأ لفوكو ولا نقرأ للقُشيري؟

blogs - فوكو
أُلاحظ في الآونة الأخيرة – كما يُلاحظ غيري – طغيان اهتمام شباب القراء بنوعين من القراءات، الفلسفة والفكر الغربي، والأدب والروايات الغربية منها والشرقية، ورغم تنوع تفسيرات المتابعين لهذه الموجة التي قد تُعزى لثقافة القارئ المعاصر واهتماماته المستجدة، أو لأن الروايات هي أم السينما والدراما، ولأن هذه الدراما تقف عاجزة في بعض الأحيان عن روعة اللغة والخيال الذي تقدمه الرواية بمقدمتها وحبكتها وخاتمتها وألفاظها، خاصة إذا كانت متينة، أو لهيمنة ثقافة العولمة ومركزها وروحها المادية الغربية في الأساس.
تتنوع التفسيرات إذا، لكن يبقى السؤال لماذا قلّ اهتمام شبابنا بقراءة القرآن والحديث النبوي الشريف ومصادر التهذيب والتذوق والأخلاق في تراثنا، ويكاد الاقتصار على قراءة التراث عامة يكون للمتخصصين دون غيرهم، في المقابل إنك لتجد الرجل متبحرًا نهما في التعرف على فلسفة فوكو أو جرامشي أو تفكيكية جاك دريدا، أو بنيوية كلود ليفي شتراوس أو غيرهم من فلاسفة الغرب قديمهم وحديثهم ومعاصرهم، ثم إذا سألته عن تراثه الذي ينتمي إليه أجابك أنه يعلم بعض هذا التراث أو قرأ عنه بمقاربات/عيون غربية أو استشراقية أو متغربة، وهو من بني جلدتنا ويتحدث بلغتنا، وهي للحق مسألة عامة لعل منشأها الأساسي يعود إلى طبيعة نظام التعليم في عصرنا الذي اهتم بـ"التخصص" على حساب المنظومة المعرفية والحضارية التي ننتمي لها.

مصنفات الزهد وإصلاح القلوب، قديمة قدم هذا التراث، وهذه الحضارة، وأن هذا اللون شكّل وعي ملايين الجماهير في ديار الإسلام عبر القرون والأزمان، كما شكّل في الأساس أخلاقهم أيضًا، حتى اعترفت الدولة بوجودهم وأثرهم الاجتماعي والأخلاقي ولربما السياسي.

تبدو المقدمة بعيدة عن العنوان للوهلة الأولى غير أنها للحق ليست كذلك؛ فهذا التقديم يكشف لنا بُعدا أعمق، بُعدا يخبرنا أن المعرفة تُشكل الوجدان والضمير والأخلاق كما تُشكل العقول والألباب والاتجاهات الفكرية، وتلك حقيقة رأينا صداها في تراثنا. فقديما في هذا التراث تجلى التصنيف في الرقائق وتهذيب القلوب والزهد منذ أمد بعيد، فقد ذكر أقدم مصدر ببليوغرافي عربي وهو كتاب "الفهرست" لمحمد بن إسحاق النديم (ت 380هـ/990م) في الفن الخامس من المقالة الخامسة من كتابه، وعنوانها "أخبار العلماء وأسماء ما صنفوه في الكتب ويحتوي على أخبار السيّاح والزُّهّاد والعُبّاد والمتصوفة المتكلمين على الخطَرات والوساوس"، ذكر سلسلة بعض مشاهير الزهاد والعُباد والمتصوفة في بغداد في زمنه في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي والتي تبدأ بأبي محمد جعفر الخُلدي الذي أخذ عن أبي القاسم الجنيد الذي أخذ عن السّري بن المُغلّس السقَطي، الذي أخذ عن معروف الكرخي عن فرقد السبخي عن الحسن البصري عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، وهي سلسلة صدّر بها النديم ذلك الفن لأمرين فيما يبدو:

– ليخبرنا أن هذا اللون من التصنيف – وقد ذكر أسماء مؤلفات هؤلاء الزهاد بعد قليل – كان رائجا ومنتشرا ويقبل عليه الناس في عصره قبل ألف عام، وهو الورّاق الحاذق أو بمثابة "مدير مؤسسة نشر اليوم".
– أن هذه السلسلة تعود في الأخير لأحد كبار الصحابة الذين رووا وصحبوا رسول الله وخدموه عن قرب وهو الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه. (الفهرست ص655، 656).

والغرض من هذا الكلام أن مصنفات الرقائق الزهد وإصلاح القلوب، قديمة قدم هذا التراث، وهذه الحضارة، وأن هذا اللون شكّل وعي ملايين الجماهير في ديار الإسلام عبر القرون والأزمان، كما شكّل في الأساس أخلاقهم أيضًا، حتى اعترفت الدولة بوجودهم وأثرهم الاجتماعي والأخلاقي ولربما السياسي عقب ذلك بعدة قرون، فاخترعت لكبرائهم وظيفة "شيخ الشيوخ" في دولاب منظومتها، وأسهمت الدولة كما أسهم المجتمع في بناء بيوت خلواتهم من "الأربطة" و"الخانقاوات" و"الزوايا"، حتى إنك لترى في "صبح الأعشى" للقلقشندي بعد ذلك بخمسة قرون ذكره للوثيقة الرسمية التي كانت تُرسلها الدولة إلى من وقع عليه الاختيار لمنصب "شيخ الشيوخ"، وفيها تقول: "وبعد، فإنّ أحقّ من عومل بالتّقديم، وأجدر من يُخصّ بالتّكريم، من كان قدره في الأولياء عظيما، وذكره في الآفاق بين أهل المعرفة قديما، وتجريده عن الدنيا مشهورا، وسعيه على قدم الطاعة مشكورا، وشهوده لمقام الكمال مستجليا، واستجلاؤه لموادّ الأنس مستمليا؛ فهو في هذه الطائفة الجليلة سريّ المقدار، معروف الصفة في حلية الأولياء ومناقب الأبرار، والمتقدّم من الإمامة في مجمع الأخيار… شيخ الشّيوخ، قدوة السّالكين، معتقد الملوك والسّلاطين، أعاد الله تعالى من بركاته…". (صبح الأعشى 12/100، 101).

هؤلاء المتصوفة الذين تغلغلوا في مفاصل الحياة الاجتماعية والثقافية في عصورهم، لم يكونوا كما في مخيلتنا اليوم مجموعة من الدراويش الجهلة، بل هم على الحقيقة مجموعة من أصحاب القلوب الواعية، والثقافة المتينة ، والعلوم الرصينة، علوم تهذّيب الأخلاق والنفوس البشرية.

كل عالم بالله عارف، وكل عارف عالم، وعند هَؤُلاءِ الْقَوْم المعرفة صفة مَن عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته، ثُمَّ صدق اللَّه تَعَالَى فِي معاملاته، ثُمَّ تنقى عَن أخلاقه الرديئة وآفاته، ثُمَّ طال بالباب وقوفه ودام بالقلب اعتكافه.

لقد أدرك الشيخ عبد الحليم محمود – رحمه الله – في تقديمه لكتاب "التعرّف لمذهب أهل التصوف" للكلاباذي – أحد أعلام الصوفية القرن الرابع الهجري – أن سببًا رئيسًا في طغيان الشر والحروب والتنازع ومقتل البشر في القرن العشرين هو التنافس على الثروات، وأن هذا التنافس المحموم الذي لم يراعِ الإنسان وبنيانه؛ كان نتيجة مباشرة لغلبة الجانب المادي وطغيانه على النفس البشرية، يقول: "إن المدنية العالمية الحاضرة إنما هي مدنية المادية، وإن أدنى نظرة فيها ترى بوضوح أَن الرّوح المادية مسيطرة طاغية حَتَّى لقد حددت دائرة الْعلم فيها بدائرة مادية، واتجه البحث نتيجة لذَلك إِلَى المَادة على الخصوص… وكان من نتيجة ذلك الحرب الكبرى (العالمية) الأولى والحرب الكبرى الثَّانِيَة اللّتَان لم تدعا قُطرا من الأقطار أَو إقليما من الأقاليم إلا ونثرتا فِيهِ الشَّقَاء ألوانا؛ شقاء الفقر أَو شقاء الموت والهلاك والدمار، واذا سادت الرّوح المادية أَصبَحت الأهداف والغايات مادية، أصبحت استعمارا وامتصاص دمَاء وسيطرة بِالْقوَّة واغتصابا، بل أَصبَحت سلبا ونهبا واستعباد دولة لدولة وإلقاء بِكُل المعايير الأخلاقية والإنسانية إلى موطئ الأَقدَام".

لذا؛ كان حرْص الشيخ عبد الحليم محمود ومن معه على نشر التراث الصوفي في الإسلام محاولة لنشر التجربة الروحية التي كانت أصلا من أصول الجانب الأخلاقي للمسلمين في حضارتهم، ولا تُعنى هذه الخاطرة بالحديث عن مزالق الصوفية أو الدعوة إلى اتباعها، بل إلى التأكيد على إعادة النظر في هذا التراث الصوفي، الذي عني أكثر ما عُني بالأخلاق والقلوب وتهذيب النفوس، تصوّف ما قبل محي الدين ابن عربي، وقد نفر بسببه العلماء عن الاهتمام بالتراث الصوفي وتجديده، لكن ما يميز التراث الصوفي بحسب "آنا ماري شيمل" هو "المنظور الذي يُناقش الصوفية من خلاله قوى الشر المتمثلة في الشيطان"، هذا الشيطان الذي تجلى أثره – إن صح التوصيف – في غلبة الفكر المادي في ثقافتنا اليوم، وهو الفكر الذي في المقابل يطمر كل تجربة روحية تُهذّب النفوس والأخلاق، وقديما ربط العلامة أبو القاسم القُشيري في القرن الخامس الهجري المعرفة الحقة بالله قائلا: "كل عالم بالله عارف، وكل عارف عالم، وعند هَؤُلاءِ الْقَوْم المعرفة صفة مَن عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته، ثُمَّ صدق اللَّه تَعَالَى فِي معاملاته، ثُمَّ تنقى عَن أخلاقه الرديئة وآفاته، ثُمَّ طال بالباب وقوفه ودام بالقلب اعتكافه". (الرسالة القُشيرية 2/477). تلك دعوة مباشرة إلى إعادة النظر في مصادر معرفة وتهذيب القلوب والأخلاق في تراثنا، لعلنا نعيدُ التوازن المعرفي بين المادي والروحي كما فهمه أعلام حضارتنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.