شعار قسم مدونات

التأريخ للربيع العربي.. منعا لمصادرة الحقيقة

A man holds up his fist during a pro-democracy rally at Tahrir Square, in Cairo February 25, 2011. Egypt's new military rulers, promising to guard against
يكرر الكثير من الكتاب والمتابعين أن ما يعيشه العالم العربي اليوم هو نتيجة للحراك الشعبي الذي مس بعض الدول، فحرمها من الأمن والأمان، ونقلها من آفة الاستبداد إلى آفة التطرف والإجرام وغياب الدولة والصراعات القبلية والإثنية والطائفية، ويعتبر هؤلاء المثالين الليبي والسوري أحسن الأمثلة على هذا الموقف.

وكأن ذاكرة هؤلاء قصيرة جدا؛ مما أعجزهم عن العودة إلى تتبع مسار الأحداث، بل من العودة إلى السياسات التي كانت تتبعها هذه الأنظمة، والتي كانت مؤذنة بوقوع الخراب في أي وقت، لأن الشعوب تتحمل وتتحمل وتتحمل، ولكنها تنفجر بعد ذلك، ويكون انفجارها دون حسابات؛ بعد أن تكون قد رأت في الحسابات والندوات واللقاءات والمؤتمرات طرقا فاشلة لاسترجاع حقوقها.

إن الأنظمة المستبدة من خلال تكريسها للفساد الذي يقود نحو تشكل طبقة صغيرة ثرية عبر نهب المال العام، وأغلبية تعاني الفقر وترزح في الجهل والقنوط من مستقبل أفضل لها ولأبنائها، وبخياراتها الاستراتيجية غير المحسوبة التي تحرك مشاعر الشعب ضدها، مثل الوقوف مع خصوم الأمة في حروبهم ومشاريعهم، والعجز عن استرداد الحقوق المغصوبة أو وضع الخطوات لتحقيق ذلك، والتحامل على مكونات الهوية الثابتة الراسخة بالعمل على زعزعتها وتغييرها، كل ذلك يؤدي إلى تشكل مشاعر الغضب التي تنمو رويدا رويدا، دون أن ينتبه لها الحكام الذين ينظرون فقط إلى اللحظة الراهنة، بينما يكون الغضب المكبوت ينتظر فقط وقت الانفجار المحتوم.

على الأنظمة التي نجحت في تلافي هذا المسلسل أن تعي الدرس جيدا، ولا تقتصر على تخويف الشعوب من مآل الثورات، لأن الشعوب عند نقطة معينة ستصبح غير قادرة على الإبصار.

إن الشعوب لا يمكنها أن تستمر في التفرج على مأساتها، والضمير الجمعي لا يعمل بشكل منظم، بل يعمل بطريقة الإنفلاتات التي لا تقيم وزنا للعواقب، لا لشيء إلا لأنه يستحضر في لا وعيه الترتيبات التي فشلت، والوعود التي أخلفت، والأكاذيب التي مررت، والمظالم التي وقعت، فيصبح مقتنعا أن العقل لا مكان له في اكتساب الحقوق، بل المكان فقط للحركة، الحركة التي لا يفكر الضمير الجمعي كثيرا في مآلاتها في بداية الأمر.

إن واقع ليبيا وسوريا اليوم لا يفرح أحدا، ولكن الحقيقة تقول أن القذافي والأسد هما من أنتجه وليس الشعوب التي تحركت سلميا مطالبة بالتغيير معلنة نفاذ صبرها من الاستبداد، دون تبرئة تلك القيادات التي تترصد دائما خطوات الشعوب لمصادرتها دون أن تكون طرفا فاعلا في بناء التحولات، وهي القيادات التي ستتحول لاحقا إلى أحد عوامل الفشل لأنها لا تفهم معنى البذل والتضحية بل تفهم فقط دلالات الغنيمة والسلطة.

ودون تبرئة النماذج السوداء التي وجدت في الربيع العربي منطلقا لتفعيل فكرها القائم على التكفير والتفجير، ولكن كل ذلك يرتد في أسبابه إلى ممارسات النظام، فهو الذي عجز عن تشكيل نظام توافقي بين قبائله وعشائره في ليبيا، وعن بناء نظام وطني لا طائفي في سوريا، وهو الذي غرس بذور الغلو والتشدد عبر ممارسات الاختطاف والتهجير والتعذيب والاغتصاب والإصرار على الخط التغريبي الذي يؤسس لفصل الشعوب عن عمقها الحضاري للقذف بها نحو المجهول.

إن الذاكرة لا تزال تحتفظ بجرائم النظامين قبل تسلح الثورتين، تلك الجرائم التي كانت تدفع الشعب دفعا للخروج من السلمية إلى العنف، لأنها تجد في العنف المبرر لممارسة هوايتها في الإخضاع القسري، مع استمرار النظامين في رفض كل مشاريع الإصلاح، ومحاولة تسويق الأكاذيب التي صار الشعب لا يطيق سماعها، ومن ثم فإن العقل الجمعي يصبح منفتحا على أبواب لم يكن يفكر فيها البتة، وهو ما أدى إلى انخراط الثورتين الليبية والسورية في العمل المسلح، الذي لم يكن في أجندة الشعوب عندما خرجت لمظاهراتها السلمية أول مرة.

ولاشك أن الغرب وكل أعداء الأمة ينتظرون هذه اللحظات، لإعادة تشكيل مشاريعهم، ولابد من التأكيد على أن تدخل الغرب لن يكون أبدا لصالح الشعوب، كما لم يكن تدخله يوما في صالحها، ذلك أن دول هذا الغرب المناور لا تزال تنظر للمنطقة العربية كمستعمرات تدر عسلا ونفطا ودولارا، وعلى الشعوب أن تتذكر أن الغرب هو الذي سمح باستمرار الاستبداد، فأيد الانقلابات ومصادرة الإرادة الشعبية، وسكت عن التزوير، وعمل على إبعاد المخلصين عن مصادر القرار، بل أسهم بفعالية في إنقاذ الأنظمة المستبدة عندما رأى في النماذج التي ستخلفها خطرا على مصالحه وخفضا لمستوى نفوذه، فالغرب لا يكون حلا لمن يريد أن يعيد تأسيس نظام الحكم في بلده على أساس السيادة الوطنية، ومن استنجد به كمن يبيع دولته قبل تأسيسها، ولن ينتج سوى صورة مشوهة للنظام السابق.

إن واقع ليبيا وسوريا اليوم لا يفرح أحدا، ولكن الحقيقة تقول أن القذافي والأسد هما من أنتجه وليس الشعوب التي تحركت سلميا مطالبة بالتغيير.

إن على الأنظمة التي نجحت في تلافي هذا المسلسل أن تعي الدرس جيدا، ولا تقتصر على تخويف الشعوب من مآل الثورات، لأن الشعوب عند نقطة معينة ستصبح غير قادرة على الإبصار، بل عليها الانخراط في عملية إعادة بناء حقيقية لنظامها السياسي والاقتصادي والثقافي، والعمل على تفكيك القنابل الملغمة التي يمكنها أن تنفجر في أي وقت، عن طريق التوجه المباشر إلى المشاكل الحقيقية وليس عن طريق آلة التضليل الإعلامي وشراء السلم الاجتماعي، فإن هذا الطريق هو الحل الوحيد للعبور نحو العدالة التي تطالب بها الشعوب دون المرور على خط الحروب الطائفية والصراعات بين الأنظمة القديمة والحديثة.

وقد يرى البعض أن هذا مستحيل الحدوث، ولكنني أرفض تعميم النماذج، فقد وجدت تونس من يقيها شر الصراع المسلح مع نظام زين العابدين، كما تمكنت دول أوروبا الشرقية من التخلص من الأنظمة الشمولية دون أن تكسر دولها وتدخلها في عجلة الحرب، ثم إنني لست ممن يلقي كل رجالات الأنظمة في سلة واحدة، فقد انحاز قائد الجيش في تونس إلى الشعب، وفي أوروبا جدّدت بعض الأنظمة نفسها في لحظة يقظة ووعي.

بقي أمر أخير وهو الفكر التكفيري الذي يهدد الأمة جمعاء اليوم، وهو عبارة عن نتيجة مزدوجة بين فشل السلطتين السياسية والعلمية، فالقمع الذي تتعامل به الأنظمة مع حركات التغيير من خلال السجون وأنواع التعذيب الرهيبة بما فيها الاغتصاب هو أحد أسباب الانجراف إلى هذه الأفكار المتطرفة، دون أن أنسى المرجعيات الشرعية التي فقدت دور الموجه بعد أن اتضح للكثير من الناس أن أغلبها مرتزقة تتاجر بالعلم لأجل مصالحها الضيقة، ومن ثم صار الانفتاح على التراث دون واسطة توضح وتفسر ما أبهم وأشكل، وهكذا ندرك دوما أن سياسات الأنظمة هي التي تنتج أشد خصومها ضراوة وتؤسس لإقحام الأوطان في صراعات لا تبقي ولا تذر. فلنتذكر هذا قبل أن يكتب عكسه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.