شعار قسم مدونات

أن تكون ابنتي مريضة!

blogs - أم وطفلها
أيام قليلة كانت تفصلني عن نتيجة التحاليل الخاصة بابنتي التي تبلغ من العمر عشر سنوات، عندما أصيبت بوعكة صحية مفاجئة تم نقلها على إثرها إلى المستشفى لمعرفة ما الذي ألمّ بها، فكانت نتيجة التحليل الأولية تشير إلى ارتفاع شديد في نسبة السكر لديها، حيث اشتبه الطبيب المعالج أن تكون ابنتي مصابة بمرض السكري. ولكن حسب قوله أن هذه مجرد تحاليل أولية ولا بد من إجراءات أخرى وتحاليل جديدة للتأكد من وجود المرض.
حينها شعرت بأن الوقت بدأ يسير ببطء شديد، وتمنيت بأن أدفع بالزمن إلى الأمام بكل قوتي، حتى يحين الوقت الحاسم لنتيجة التحاليل النهائية، هي أيام قليلة لكني شعرت بها وكأنها سنوات طويلة، وكأن العالم توقف من حولي. لم ترحمني سلسلة التخيلات التي سيطرت على عقلي في ذلك الوقت الذي كنت أعد به اللحظات والساعات لمعرفة النتيجة النهائية. تساءلت ماذا لو كانت فعلا ابنتي مريضة، وهي لا تزال طفلة في أول عمرها. كيف ستحتمل حقن الأنسولين في كل صباح؟ كيف ستقاوم الأم المرض الشديدة، وكيف ستلتئم جروحها في حال خدشها. تساءلت عن نوعية الأطعمة المسموحة لها، عن نوعية الأطعمة الممنوعة، وكيف سنواجه مرضها معا.

عاتبت نفسي كثيرًا، عن كل لحظة كانت تحدثني فيها ابنتي عن حكاياتها مع صديقاتها، وعن يومياتها في المدرسة، ولم أكن أستمع إليها جيدا. وعن أحلامها الطفولية وأمنياتها، وعن طلبها لمشاركتي معها في ممارسة هواياتها المفضلة. وكنت أعتذر لأني مشغولة وعن مرافقتي لها في نزهة، ولم أفعل لأن وقتي لا يسمح، وعن كل شيء طلبته مني وتأخرت في تلبيته لها.

مرت عليّ أيام كانت بمثابة عمر آخر لم يكن في الحسبان. وكان في لحظة بمثابة الحد الفاصل بين حياة ستمضى وحياة أخرى سيكون كل شيء فيها بألف حساب وكل خطوة يجب أن تكون مدروسة، لحماية ابنتي من أي مضاعفات، لكنه بمشيئة الله مرت المحنة.

أصبحت أطيل النظر إليها، وأعانقها كثيرا، وأحتبس دموعي حتى لا تشعر بأن شيئا ما سيحدث. فكرت في أشياء كثيرة سأفعلها من أجلها، سأصبح أكثر حرصا عليها، سأترك عملي وأتخلى عن طموحي وأهدافي، سأخفف من علاقاتي الاجتماعية ولقائي مع صديقاتي، سأمتنع عن المشاركة في فعاليات ومناسبات مجتمعية، سأكرث معظم وقتي لها، سأغير روتين حياتي، وسأتخلى عن أشياء وسألتزم بفعل أشياء أخرى، لن أعاقبها إذا أخطأت، سأستمع إليها جيدا، وسأحقق لها كل ما تتمنى. لعلها تكون بخير.

أكثرت من دعائي ورجائي لله بأن تكون النتيجة النهائية سليمة، وسألت الله أن يحفظها من كل شر، وإذا كان لا بد من الابتلاء، فتوسلت لله أن يكون بي، وليس بها. إلى أن جاء موعد النتيجة النهائية، وكانت بحمد الله سليمة، لك أن تتخيل طبيعة مشاعري في تلك اللحظة، بعد أن مرت عليّ أيام كانت بمثابة عمر آخر لم يكن في الحسبان. وكان في لحظة بمثابة الحد الفاصل بين حياة ستمضى وحياة أخرى سيكون كل شيء فيها بألف حساب وكل خطوة يجب أن تكون مدروسة، لحماية ابنتي من أي مضاعفات، لكنه بمشيئة الله مرت المحنة وكأنها كابوس قاسي، فرغم صغر المحنة ومرارة الانتظار، إلا أنني تعلمت الكثير، وقمت بإعادة حساباتي وترتيب أموري، فلا شيء في هذا الكون يضاهي صحة الأطفال، كم صليت من أجل شفاء الأطفال المرضى، ودعوت أن تبرد نيران الحزن المشتعلة في قلوب أمهاتهم.

ولكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال إن الابتلاء يكون على قدر الإيمان، فكلما زاد الإيمان زاد الابتلاء والاختبار. حقًا لم يشعر بحزن غيره أو مصيبة أخيه إلا من ذاق من نفس الكأس، فإن مجرد التخيلات والسيناريوهات التي نسجت في عقلي، أثارت لي الرعب، وقلبت كياني وغيرت موازين حياتي كلها. فكيف لو أصبح الأمر حقيقيا؟! فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.