شعار قسم مدونات

على ماذا يُبنى الشِعر؟

blogs - المتنبي
ظَننتُ سابقاً أن الشعر لا يُكتب إلا عند فرحٍ أو مدحٍ أو غزلٍ مثلاً، ولكن سرعان ما تبدد هذا الظن! ذات مرة قرأت هذين البيتين للشاعرحذيفة العرجي:

‏يا مُعرب الشعر في نصبٍ وفي رفعِ … الشعرُ مُعظمهُ يُبنى على الدمعِ.
‏الفرحُ أكتبهُ في ربعِ مفردةٍ … وليسَ تكفي لحزنٍ صيغة الجمعِ.

فالشاعر كما يكتب عند الفرح يكتب عند الحزن وكما يكتب عند المدح يكتب عند الذم وكما يكتب عند الغزل يكتب عند الهجاء أيضاً! وهنا قول "الحطيئة" عندما قام بهجاء "الزبرقان":

دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها … واقعدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسي.

فاشتكا الزبرقان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقام أمير المؤمنين بسجنه، وبعد فترة قام الحطيئة بكتابة هذه الأبيات مادحاً أمير المؤمنين و مستسمحاً منه:

مَاذَا تقول لأِفْراخٍ بذي مَرَخٍ … حمرِ الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ.
غَيَّبْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ … فاغْفِرْ عَلَيْكَ سلامُ اللّه يا عُمَرُ.

أنتَ الأمِينُ الذي مِنْ بَعْدِ صَاحِبهِ … ألْقَتْ إليْكَ مَقَالِيدَ النُّهَى البَشَرُ.
لم يؤثروك بها إذْ قدَّموك لها … لَكِنْ لأنفُسِهِم كانت بها الإثَرُ.

-أحمد شوقى وأتاتورك:
وهنا حال الشاعر الكبير أحمد شوقي عندما مدح مصطفى كمال أتاتورك الذي كان نجما بارزا قبل أن يسيطر عليه الحلفاء – انجلترا وفرنسا- حتى شبهه أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله بالقائد المغوار والصحابي الجليل سيف الله خالد بن الوليد فقال عنه قصيدة طويلة من أبرز أبياتها:

اللَهُ أَكبَرُ كَم في الفَتحِ مِن عَجَبٍ … يا خالِدَ التُركِ جَدِّد خالِدَ العَرَبِ.
صُلحٌ عَزيزٌ عَلى حَربٍ مُظَفَّرَةٍ … فَالسَيفُ في غِمدِهِ وَالحَقُّ في النُصُبِ.
يا حُسنَ أُمنِيَّةٍ في السَيفِ ما كَذَبَتْ … وَطيبَ أُمنِيَّةٍ في الرَأيِ لَم تَخِبِ.
خُطاكَ في الحَقِّ كانَت كُلُّها كَرَمًا … وَأَنتَ أَكرَمُ في حَقنِ الدَمِ السَرِبِ.

وهنا نجد أمير الشعراء يتحول في موقفه ليرثى الخلافة التي سقطت على يد "أتاتورك" الذي شبهه بالصحابي الجليل خالد بن الوليد فقال شوقي رحمه الله كلمات مبكية من أبرزها:

عادَت أَغاني العُرسِ رَجعَ نُواحِ … وَنُعيتِ بَينَ مَعالِمِ الأَفراحِ.
كُفِّنتِ في لَيلِ الزَفافِ بِثَوبِهِ … وَدُفِنتِ عِندَ تَبَلُّجِ الإِصباحِ.

-المتنبي و كافور الإخشيدي:

لم يكن مديح المتنبي لكافور صافياً، بل بَطَّنه بالهجاء و الحنين إلى سيف الدولة الحمداني في حلب، فكان مطلع أول قصيدته مدح بها كافور:

كفى بك داء أن ترى الموت شافياً … وحسب المنايا أن يكن أمانيا.

فكأنه جعل "كافور" الموت الشافي والمنايا التي تتمنى ومع هذا فقد كان كافور حذراً، فلم ينل المتنبي منه مطلبه، بل إن وشاة المتنبي كثروا عنده، فهجاهم المتنبي، و هجا كافور ومصر هجاء مرا، ومما نسب إلى المتنبي في هجاء كافور:

لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ … إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ.
نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصرٍ عَنْ ثَعَالِبِها … فَقَدْ بَشِمْنَ وَما تَفنى العَنَاقيدُ.
ما يَقبضُ المَوْتُ نَفساً من نفوسِهِمُ … إلاّ وَفي يَدِهِ مِنْ نَتْنِهَا عُودُ.

-المتنبي وسيف الدولة:
لقد كان للمتنبي حظوة عن سيف الدولة، ربما كانت مصالح متبادلة كالبحث عن المال مثلاً.. وبحث سيف الدولة عن الدعاية أو المدح!.. وربما وجد أو لم يجد كلٌ ضالته! ومن القصائد التي مدح المتنبي فيها سيف الدولة:

واحر قلـباه ممن قلبه شبــم … ومن بجسمي وحالي عنده سقـم. اخ
ما لي أكتم حبا قد برى جسدي … وتدعي حب سيف الدولة الأمم.

إن كــان يجمعــنا حب لغرتــه … فليت أنّا بقدر الحــب نقتســـم.
قد زرته و سيوف الهند مغمـــدة … وقد نظرت إليه و السيـوف دم.

وهذه القصيدة أيضاً:

عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ … وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ.
وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها … وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ.
يُكـلّفُ سَـيفُ الدَولَـةِ الجَـيشَ هَمّـهُ … وقـد عَجَـزَتْ عنـهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ.

بعد أن فر المتنبي إلى مصر واستقبله كافور بعدم اكتراث لبرهة من الوقت، وبلغه أن البعض قد نعاه في مجلس سيف الدولة ولم يرد غيبته تأثر كثيرا بذلك الموقف وكتب:

يا مَن نُعيتُ عَلى بُعدٍ بِمَجلِسِهِ … كُلٌّ بِما زَعَمَ الناعونَ مُرتَهَنُ.
كَم قَد قُتِلتُ وَكَم قَد مُتُّ عِندَكُمُ … ثُمَّ انتَفَضتُ فَزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ.
قَد كانَ شاهَدَ دَفني قَبلَ قَولِهِمِ … جَماعَةٌ ثُمَّ ماتوا قَبلَ مَن دَفَنوا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.