شعار قسم مدونات

مسألة "إسرائيل" في لوحة مرنبتاح

blogs لوحة مرنبتاح

عام 1896 اكتشف الأثري الفرنسي فرناند بتري F. Petrie لوحة من الجرانيت الأسود في خرائب في معبد مرنبتاح الجنائزي في القرنة بطيبة الغربية، أطلق على هذه اللوحة تعسفاً اسم »لوحة إسرائيل«. وتعود اللوحة في أول استخدام لها إلى عهد أمنحوتب الثالث (1405- 1367 ق.م)، وأعيد استخدامها في عهد مرنبتاح (1224- 1214 ق.م) حيث سجلت كتاباته على ظهر مسلة أمنحوتب الثالث. 

 

نرى في أعلى اللوحة منظراً مزدوجاً يظهر فيه مرنبتاح على يمين ويتبعه المعبود »خونسو نفرحتب« وهو يقوم بتقديم علامة الخبش بيده اليمني إلى المعبود آمون وبيده اليسرى يمسك بعلامة حقاً. وعلى اليسار مرنبتاح يعطى يده اليمني علامة الخبش لآمون ويمسك بيده اليسرى علامة حقا ويتبعه المعبودة موت. وبعد ذلك يبدأ النص الذي يتطون من 28 سطراً، والذي يحدثنا فيه الملك مرنبتاح عن انتصارته على الـ "تمحيو" [الليبيين]. وزعم علماء اللغة والآثار أن كلمة  "إسرائيل" ذكرت في السطر 27 من اللوحة، وقد تم ترجمتها بأوجه مختلفة تنتخب منها ما يأتي:

 

تظل مسألة الربط الواضح وغير المشكوك فيه بين الكيان المذكور في لوحة مرنبتاح الحجري وبين "إسرائيل" التوراتية المزعومة بحاجة إلى إثبات

"قوم إسرائيل قد اتلفوا، وليس لديهم غلة أو بذر" [عالم الآثار الفرنسي فرناند بتري]

"لقد أبيدت إسرائيل واستؤصلت" [عالم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستد]

"إسرائيل أقفرت وليس بها بذرة" [ترجمة عالم المصريات البريطاني سير ألان جادنر]

"إسرائيل صار خراباً وقطع دابره" [ترجمة الباحث العربي فراس السواح]

"إسرائيل مدمرّ، بذرته لم تعد موجودة" [ترجمة العالم في الكتب المقدس وعالم لاهوت توماس طمسن والباحثة في الكتب المقدس إنغريد هيلم] 

 

بدأ لوحة مرنبتاح يكتسب أهمية خاصة في الجدل الدائر مؤخراً، فالإشارة إلى "إسرائيل" التي تظهر في تراتيل الانتصار على الليبيين، أصبحت مركز الاهتمام في الدفاع عن "إسرائيل" التوراتية المزعومة في مواجهة النزعة التشكيكية لدى أصحاب حركة البحث الجديد في "إسرائيل" القديمة. ولكن تظل مسألة الربط الواضح وغير المشكوك فيه بين الكيان المذكور في لوحة مرنبتاح الحجري وبين "إسرائيل" التوراتية المزعومة بحاجة إلى إثبات.

 

يقول طمسن، أن الاسم "إسرائيل" على النقش المصري الشهير للفرعون مرنبتاح في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد لا يشير إلى جماعة أثنية معينة وسط جماعات أثنية أخري مميزة في فلسطين، حتى وإن استخدم النص العلامة الهيروغليفية الدالة على شعب في كتابه الاسم، ولعل الأكثر إثارة للاهتمام أن النص يزودنا بأقدم استخدام مدون لبطريرك هو "إسرائيل" كمجاز أدبي يدل على الشخصية الحامية لكل سكان فلسطين. وفي هذا الأمر تشابه مذهل مع الطريقة التي تغير بها اسم يعقوب التوراتي ليصبح "إسرائيل" ليتسنى له ولأبنائه تمثيل 12 قبيلة تمثل كل فلسطين. يقترن اسم إسرائيل في النقش المصري مع المرآة حورو (تجسيد الأرض) كأرملة له يقول النص "انقطعت بذرة إسرائيل" ويأخذ فرعون باعتباره الزوج الجديد لحورو وحاميها، الأرض كعروس له. أما الدور العائلي الذي يقوم به الأبناء فيمنح للبلدان التي يدعي مرنبتاح حمايتها: غزة، عسقلان، جزر، ينعم. في هذا النص أول إشارة إلى اسم "إسرائيل" في التاريخ، وقد حضر الاسم كموتيف في حكاية.

 

يرسم كاتب النص المصري الذي يصف "يسيرارو" أو "يزيرارو" كقبيلة هزمه مرنبتاح، بنفس الأسلوب الذي رسم به سكان فلسطين في احد معارك مرنبتاح الآسيوية على جدارن الكرنك، وهذا يؤكد أنهم فلسطينيون/ كنعانيون في زيهم وأسلحتهم

ويضيف طمسن، إن ربط "إسرائيل" بكنعان في هذا النقش المصري المبكر لا يمكن اعتباره مرادفاً لـ"إسرائيل" الواردة في التوراة، فإذا كان نقش مرنبتاح يعبر عن أي حقيقة تاريخية فإن التوراة لا تذكر عنها شيئا.

 

وفي تعليقه على تفسير الفقرة التي وردت في لوحة مرنبتاح، يقول عالم الآثار "الإسرائيلي" زئيف هرتسوغ، رويدا رويدا بدأت تتبلور الثقوب في الصورة وبشكل متناقض نشأ وضع بدأت فيه المكتشفات الكثيرة تزعزع المصداقية التاريخية للوصف التوراتي بدلا من تعزيزها مرحلة الأزمة بدأت، وهي مرحلة لا تنجح فيها النظريات في حل عدد كبير ومتزايد من الأمور المجهولة وتأخذ في إيراد تأويلات غير ملائمة تماما، وبذلك يلف الغموض لوحة البازلت التي تبنيها المكتشفات الأثرية ليتضح إنها غير قابلة للاستكمال.

 

والسؤال المطروح هنا: هل قراءة علماء اللغة والآثار كلمة "إسرائيل" صحيحة؟! للإجابة على هذا السؤال علينا أن نعيد قراءه النص بالهيروغليفية: [يسيرارو فكت fk3)) بن برت (prt) اف] أي: [يسيرارو(يزيرارو) سحقت (دمرت/ أبيدت) ولم يعد لها بذور (حبوب)]. إذن الكلمة هي "يسيرارو" أو "يزيرارو" وليست "إسرائيل".

 

ويلاحظ أن كلمة "يسيرارو" أو "يزيرارو" بها مخصص العصا المعقوفة وهو المخصص نفسه الذي نجده في أسماء الشعوب الأجنبية. وأضاف كاتب النص إلى الكلمة أو الاسم مخصص الرجل الجالس والمرآة واتبعهما بثلاثة شرط علامة الجمع. ومن ثم فهذا المخصص على هذه الصورة، إنما يشير إلى أقوام أجانب، أو قبائل أجنبية، وليس إلى أرض أجنبية. ولا سبيل في هذه القصيدة إلى التشكيك بما يقال من احتمال خطأ الكاتب المصري القديم وسهوه. فالكاتب المصرى قد كان موفقاً واعياً، فلقد وردت أسماء الشعوب والبلاد الأجنبية في ذلك النص تسع عشرة مرة، لم يغفل رسم الأرض الأجنبية فيما ذكر، في واحدة منها مما سبق اسم "يسيرارو" أو "يزيرارو" أو لحق به.

 

أن تسمية هذه اللوحة بـ "لوحة إسرائيل". يخالف ما جاء على وجهي اللوحة من نصوص. فهي تحتوى في وجهها الأمامي على نص من عهد الملك أمنحتب الثالث. وعلى ظهرها يوجد نص مرنبتاح

يرسم كاتب النص المصري الذي يصف "يسيرارو" أو "يزيرارو" كقبيلة هزمه مرنبتاح، بنفس الأسلوب الذي رسم به سكان فلسطين في احد معارك مرنبتاح الآسيوية على جدارن  الكرنك، وهذا يؤكد أنهم فلسطينيون/ كنعانيون في زيهم وأسلحتهم.  

 

إن أمكانية أن يكون الاسم "يزريل" [سهل مرج ابن عامر] ممكنة، وما يدل على ذلك التعبير المصري bn prf. F "لم يعد له بذور[حبوب]" فالمخصص الذي كتب به كلمة "بذور[حبوب]"، هو عبارة عن حب من القمح ينتهي بثلاثة خطوط، وهي التي يكتب بها الجمع في اللغة المصرية القديمة. وهذا يشير إلى أن الزراعة لم تعد تنمو في سهل مرج ابن عامر "يزريل".  حيث أن الزراعة لا تنمو إلا في مناطق السهول. وما يؤكد ما ذهبنا إليه من أن كلمة "يسيرارو" أو "يزيرارو" قصد بها "يزريل" [سهل مرج ابن عامر]. أن هناك نص مؤرخ من العام الثامن من حكم رمسيس الثاني جاء فيه التعبير الجغرافي يزريـ [ل] الذي كان يطلق على المنطقة جنوب فينيقية وهذا التعبير قريب الصلة بكلمة "يزريل" في نص مرنبتاح (يلاحظ وجود مخصص العصا المعقوفة والجبل معاً في نهاية الكلمة).

 

وختاماً، أن تسمية هذه اللوحة بـ "لوحة إسرائيل". يخالف ما جاء على وجهي اللوحة من نصوص. فهي تحتوى في وجهها الأمامي على نص من عهد الملك أمنحتب الثالث. وعلى ظهرها يوجد نص مرنبتاح.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.