شعار قسم مدونات

أفكار حول حراك الريف المغربي

blogs حراك الريف

ما أَعتبره فتحا حقيقيا في حراك أهلنا في الريف هو هذا الإدراك العميق لمكمن الداء، لقد ذهبوا إلى حيث كان غيرهم يخشى الذهاب. نزهوا أنفسهم عن مخاطبة الدمى متوجهين رأسا نحو المصنع الذي ينتجها.

 

 في السياسة الحديثة ما عدا من الممكن أن تفعل كل شيء ولا تحاسب على أي شيء، تكتفي بنسبة الخير إليك ونسبة الشر إلى بطانة السوء من الدرجة الثالثة، فمسلسل تقديم أكباش الفداء لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وإلا عادت على واضع الطقس ومشرعنه بأوخم العواقب. الكيس في السياسة هو من يمنع كرة الثلج من الاستمرار في التدحرج المتضخم نحو مآلات غير متوقعة لا في حسبان السلطة ولا المحتجين. 

مع بداية زمن الحراك تكون تنازلات السلطة قليلة لأن مطالب المتظاهرين بسيطة ومشروعة، ومع الوقت ينقلب التوصيف، عندما يتوصل المحتجون إلى قناعة تفيد بأن تحقيق المطالب غير السياسية رهين بإصلاح سياسي عميق، خاصة وأن النظام السياسي عاجز عن تحقيق إشباع اقتصادي – مثل إشباع بعض المجتمعات الريعية غير الديمقراطية- يُمكن أن يَصرف به الحركات الاحتجاجية عن دائرة السياسة. 

 

السلطة هي المبادر الأول إلى خوصصة المشترك الديني عبر فرض خطب منبرية، تنهل من لغة الخشب. إن قمة الخوصصة ألا يجد المقبلون على بيوت الله أنفسهم فيما يُقدم من خطب لأنها تحاول بلغة المقدس أن تقنعهم بأفكار يرفضها أو يتجاهلها ضميرهم السليم

السياسي الرسمي الذي يدعي أن المحتج يخوض نضالا بالوكالة لصالح جهات خارجية بدوافع سياسية وارتزاقية، عليه -إن افترضنا صحة دعواه- أن يسد الذريعة على الأسياد والعملاء معا، لا عبر الحل الأمني لأن حلا من هذا النوع هو أقرب الطرق وأنجعها لتوسيع الخرق إلى الحد الذي لا يصلح معه الرتق إلا بتكاليف باهظة. إن سَد الذريعة اليوم لا يكون إلا بالاستجابة الصادقة والفورية لمطالب المحتجين، وآنئذ تُقام الحجة، ويصبح للاتهام ما يبرره إن استمر العرَض بعد تلاشي السبب.

 

أهل الريف يريدون مخاطبة الملك بلا وساطة، لكن في المقابل هناك إصرار على المخاطبة من وراء حجاب. بَيد أن مشكلة هذا الحجاب أنه تمزق فانقلب دوره من الإخفاء إلى الإظهار.

 

النظام السياسي مسؤول عن تحويل المساجد إلى فضاء للصراع حول مصالح دنيوية بلغة دينية. مشكلته هي الإمعان في احتكار الكلام السياسي الجانح نحو الصراع والتفرقة داخل مكان له قدسية التجميع والتأليف، يريد أن يكون مُقدما ومتدخلا، وعندما تحين لحظة انتقال الكلمة إلى الطرف الآخر يعلن هذا المحتكر- بصفته مقدما- عن نهاية البرنامج.. وتحريك المتابعة في حق خصمه السياسي بدعوى الفتنة.

إن كان هناك من فتنة يعيشها السواد الأعظم من المغاربة فهي فتنة الاتساع المستمر للفجوة بين مفهومي الرغبة والقدرة. يرغبون في تحقيق الكثير، لكن السلطة تجعل من تحقيقهم للتافه البسيط أمرا معجزا. تقتل فيهم عبر فسادها كل قدرة على تجاوز شرطهم البيولوجي في الوقت الذي ما فتئ فيه عالمنا المعولم يضيف إلينا واليهم رغبات على رغباتنا البسيطة. والنتيجة تزايد القلق والإحباط والشقاء… حراك الريف يَعد بتقليص الفجوة هنا والآن بلغة النضال وصولا إلى التعاقد، وفقهاء السوء يعدون بالمطابقة بينهما في الحياة الأخرى إن صبرنا وأطعنا واحتسبنا في هذه الدنيا الزائلة، هو إذن صراع بين أنصار البيعة المطلقة وأنصار البيعة المشروطة.

تُعَرف السلطة الحياد السياسي لخطباء الجمعة تعريفا خاصا يتناسب مع الخصوصية المغربية في كل شيء، بمقتضاه يكون الخطيب المحايد هو من يعلن الولاء المطلق لسياستها الرسمية، أما غير المحايد في عرفها، فهو الذي نجده محايدا في واقع الأمر أو من يميل ميلا قليلا إلى أطراف ترفض تعريف السلطة لمفهوم الحياد. الله يقول "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا "ولسان السلطة يقول" المساجد لنا وحدنا نقول فيها ما نشاء عن مصالح وصراعات الدنيا – منظورا إليها من زاوية واحدة- فلا نقبل معنا ناصحا ولا منافسا.

رجل التقنية (التكنوقراط) يحتقر السياسة والسياسيين وعند حدوث أزمة سياسية يكون جزءا من المشكلة ومحاولة جعله طرفا في الحل يحول المشكلة إلى مأزق

أشهر نص كاذب تحول إلى نص سلطوي يحاصر العقول النبيهة ويلجم الأفواه الغاضبة أثر: من لغا فلا جمعة له. اليوم يجب مجابهة هذا الأثر بصناعة أثر مضاد يقول: من قام ضد لغو وعاظ السلاطين فله أجره عند ربه أضعافا مضاعفة.

السلطة هي المبادر الأول إلى خوصصة المشترك الديني عبر فرض خطب منبرية، تنهل من لغة الخشب. إن قمة الخوصصة ألا يجد المقبلون على بيوت الله أنفسهم فيما يُقدم من خطب لأنها تحاول بلغة المقدس أن تقنعهم بأفكار يرفضها أو يتجاهلها ضميرهم السليم، وتلزمهم بخطباء هم لهم كارهون. إن ادعاء المدافعة عن المشترك وهْم مفيد للذات السلطوية، المغرورة والمصابة بالعمى، إذ لو كان مشتركا لما قوبل بالرفض أو التجاهل. إن أسوء أنواع الكذب هو الكذب على النفس وفي حالة السياسي الرسمي يصبح لهذا الكذب تكاليف عالية. 

رجل التقنية (التكنوقراط) يحتقر السياسة والسياسيين وعند حدوث أزمة سياسية يكون جزءا من المشكلة ومحاولة جعله طرفا في الحل يحول المشكلة إلى مأزق، نظرته إلى المجتمع بمنظور هندسي إحصائي بارد تجعل منه كائنا غريبا في اللحظات السياسية الكبرى.

نلمس اليوم في مواجهة حراك الريف المغربي تحالفا غريبا بين أسياد المدينة وضحاياها الكبار من البروليتاريا الرثة (لصوص، مجرمين، متسكعي الشوارع، عاهرات). هؤلاء الضحايا يعانون فقرا مهولا في الاندماج المعياري والسوسيواقتصادي، وحالهم أشد سوءا من حال كثير من المحتجين وهم العنوان الأبرز لفشل السياسة الرسمية، ومع ذلك يعاد توظيفهم من طرف هذه السياسة نفسها ضد الحراك الاجتماعي الذي خرج في حقيقته من أجلهم.

إن العنف الجسدي قد يشفى لكن آلام وجراحات النفس، الناجمة عن كمية هائلة من العنف الرمزي، استهدفت الأعراض والذمم والولاءات وحرمات البيوت لا تندمل بسهولة بل ستعيد إنتاج نفسها في صيغة تراث عالم وشعبي، يُصعب مهمة المصالحة

هناك شريحة من المواطنين تعيش صراعا داخليا بين ضمير وأوضاع تدعو إلى الاحتجاج وبين نفس أرخى عليها الخوف بكلكله، استسلمت للجبن فصار عندها أقرب إلى الطبع، بعضهم يُصَرف هذا التناقض في شكل انتصار للوعي بالظلم على حساب غريزة البقاء، وبعضهم يفضل الحياد الكاذب واللامبالاة، وبعضهم – وهؤلاء أشد سوءا وخطرا- يوجهون سهام نقدهم الجارح وشجاعتهم المشكوك فيها صوب الطرف المظلوم وهم المحتجون، الذين يتقاسمون وإياهم نفس الشروط والاكراهات الاجتماعية. إنه نقد سادي يجد تفسيره الحقيقي -لا في باب علم السياسة – بل في حقل سيكولوجية الإنسان المقهور. يستغربون لهذا الاحتجاج مع العلم أن الذي يدعو للاستغراب ليس هو قيام هؤلاء المحتجين بل هو كيف صبروا – ونحن معهم- على هذا الظلم طوال هذه المدة؟

أثبتت السلطة فشلها في تحقيق تعبئة احتجاجية مضادة لأنها تعبئة فوقية مصطنعة لا تجد لها حاملا اجتماعيا حقيقيا. فهي تحريض بدون قاعدة اجتماعية، وهذا ما لاحظناه فيما سمي بتظاهرات الشباب الملكي، فعلى الرغم من الحماية الأمنية والاحتجاج المأجور نقدا أو في شكل خدمات ووعود، كان حضور الحراك المضاد باهتا مقارنة مع النفس الاحتجاجي القائم على التطوع والمخاطرة والعطاء.

إن العنف الجسدي قد يشفى لكن آلام وجراحات النفس، الناجمة عن كمية هائلة من العنف الرمزي، استهدفت الأعراض والذمم والولاءات وحرمات البيوت لا تندمل بسهولة بل ستعيد إنتاج نفسها في صيغة تراث عالم وشعبي، يُصعب مهمة المصالحة. ومع هذا لا زالت الاستجابة اليوم أفضل من الاستجابة غدا، لأن التأخر يعنى أن المطالب ستسير وفق متوالية هندسية لا تستطيع المتوالية الحسابية للسلطة أن تجاريها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.