شعار قسم مدونات

تحديات في منظومة التعليم

blogs التعليم

لقد كان العلم ولا زال الخامة الأساسية في تقدم الدول ورقيها، وكل من اتخذ درب الجهل وابتعد عن العلم كان مآله الهاوية، والتعليم هو العملية التي يقدَّم فيها العلم؛ فإذا كانت عملية التعليم متطورة ومتقدمة كان وصول العلم إلى الأذهان أقرب وأكمل والعكس صحيح تماماً. وفي ديننا الإسلامي نرى إجلالاً كبيراً للعلم والعلماء؛ كيف لا وأول ما نزل في ديننا كان اقرأ! وتاريخنا الإسلامي سَطَّر أعظم الأمثلة في حب العلم والاهتمام به، ولكم أذكر بأن نهري دجلة والفرات عندما اجتاح التتار بغداد قد تحوَّل لونهما للون الحبر من كثرة الكتب التي ألقيت فيهما حيث كانت هذه الكتب كلها في بغداد!

انتهى الماضي ونحن في الحاضر، وانقلب كل شيء وأصبح العلم مقتصراً على فئة معينة ونتيجة لكثير من الظروف لم يَعُد الاهتمام بالعلم كما كان سابقاً؛ فقد طغت المادة عليه، وأصبح الناس يتوجهون لطلب المال والعيش بدلاً من العلم. كثيرة هي الظروف التي أدت لذلك؛ منها ما هو سياسي ومنها اقتصادي ومنها اجتماعي. 

أولاً: منظومة التعليم الرجعية: 
وتتلخص فيما يلي:

1. طريق غير واضح منذ الصغر:

يجب وضع خطة صحيحة للتقييم وهي خضوع الجميع لاختبار قبول جامعي يساعده في ذلك تحصيله العام في التخصص الذي يريد، أي أنه من كان متفوقاً في الرياضيات مثلاً طول سنين دراسته وكان شغفه هو الرياضيات فإن ذلك يساعده في دخول تخصصه المحبوب

كثيراً نسمع عن أطفال يهوون مادة معينة ويكرهون أخرى؛ فتراه مثلاً مبدعاً في الرياضيات ولكنه ليس مبدعاً في التاريخ مثلاً . من هنا نستنتج أن ميول الطفل هو في الرياضيات وليس التاريخ؛ ولكن في منظومة تعليمنا لا يوجد فصل في ذلك؛ ويبقى مفهوم التفوق لديها هو الحصول على أعلى العلامات في جميع المواد، لكن ماذا عن المتفوق في مادة دون غيرها؟ 

2. المناهج غير الواقعية:
للأسف فمناهجنا لا تتسم بالواقعية؛ فهي لا تعطي إلاّ القليل من العلم البسيط الذي انتهى أمره من عدة قرون، وتحتج بأن فهم الأساس هو الأهم ولا يهمهما ما بُني عليه من أمور شتى. ولا أعني عدم تدريسها وتدريس مبادئها ولكن أعني عدم الاكتفاء بمعلومات قليلة لا تمت بالواقع بكبير صلة بل يجب إعطاء هذه المبادئ بالإضافة لإعطاء ما له صلة في الواقع أيضاً فيصبح الكم المعرفي لدى الطالب أكثر وأنضج.

3. تحديد المصير بطريقة سلبية:
وأعني بهذا الكلام ما يسمى بمرحلة الثانوية العامة؛ فلقد أصبحت هذه السنة كابوساً لكل طالب مقبل على الدراسة. في هذه السنة تعمل الوزارة على توحيد الاختبارات وتوحيد ظروف الاختبارات ولكنها لا تستطيع توحيد ظروف الطلاب، فكم سمعنا عن طلبة متفوقين في دراستهم دائماً وعندما وصل لهذه المرحلة حدث معه ظرف فلم يحالفه الحظ في الاختبارات؟ 

هذه طريقة غير حقيقية لقياس مستوى الطالب وطريقة يصح أن نقول منها بأنها بدائية كما أنها طريقة لإحباط المتفوقين وتمييع الكسالى فالطالب عندما يعرف بأن مصيره متعلق بمرحلة معينة وأنه لا تأثير للمراحل السابقة فإنه يركن لذلك ولا يلقى بالاً لَمِاَ سبق، والطالب المتفوق عندما يسمع عن متفوقين قبله لم يحالفهم الحظ ولم تساعدهم كل تلك السنوات التي درسوا فيها فإنه يُصاب بإحباط شديد ويعتقد بأن كل ما فعله طوال تلك السنين لا فائدة منه.

لذلك يجب وضع خطة صحيحة للتقييم وهي خضوع الجميع لاختبار قبول جامعي يساعده في ذلك تحصيله العام في التخصص الذي يريد، أي أنه من كان متفوقاً في الرياضيات مثلاً طول سنين دراسته وكان شغفه هو الرياضيات فإن ذلك يساعده في دخول تخصصه المحبوب دون تحديد مصيره في اختبار لا علاقة له بما يريد.

4. اختلاف البيئة المدرسية عن الجامعية:
المدرسة لا تمت بالجامعة بأي صلة ولا يوجد أي ارتباط بينهما فمن أراد دخول الطب مثلاً فهو سيدخل هذا التخصص دون أن يعلم عنه شيئاً في المدرسة فالمدرسة لا تنمي طموح الطالب ولا توجهه للتخصص الذي يخدم مصلحته. لذلك يدخل الطالب إلى عالم الجامعة وكأن عالم موحش غير مفهوم وحتى الطالب لا يعرف لماذا دخل هذا التخصص أصلاً؟!

5. اللغة:
وهو أمر هام جداً نظراً لاختلاف اللغات التخصصات العلمية كالطب والهندسة عن اللغة الأم بالنسبة لنا، فقد يكون اختلاف اللغة عائقاً لفهم العلوم المختلفة وخصوصاً بأننا لم ندرس علوم اللغة بشكل صحيح وكم أتمنى أن تصبح لغتنا رائدة في العلوم من جديد بعد أن كانت لغتنا العربية لغة عالمية ورائدة. من اعتاد على لغة معينة – وخصوصاً إذا كانتّ لغته الأم – ودرس بها طوال دراسته فإنه يصعب عليه قبول الدراسة بلغة أخرى؛ بما أننا ملزمون بالدراسة بغير لغتنا فإنه حري بنا أن نهتم بدراسة هذه اللغة بشكل صحيح بعيداً عن التلقين النظري. 

6. التعليم الاستثماري:
لقد أصبحت مؤسساتنا التعليمية مؤسسات تجارية هدفها الربح والكسب المالي ولم يعد يهمها أي مخرجات للتعليم وما يثبت ذلك هو قبول الطلبة في النظام الموازي والدولي بنسبة كبيرة جداً وقبول طلبة نظام التنافس بنسبة قليلة جداً. تتعرض كثير من الجامعات والمؤسسات التعليمية لاختلاسات كبيرة جداً فيصبح الحل الأوحد لسد العجز وملئ الخزينة هي جيب الطالب فتبدأ أسعار الساعات بالارتفاع وترتفع نسبة الطلبة المقبولين على أساس النظام الموازي والدولي. 

ثانياً: النظام الاجتماعي:

إن غياب منظومة الأخلاق وتردي مستوى القِيَم كان لها أكبر الأثر في انهيار التعليم، فانتشر الكذب والخداع والفساد والرشوة وعدم الإخلاص في جميع الأوساط العلمية. وهذا الغياب في الأخلاق تأثر به الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية والإدارات على حد سواء

النظام الاجتماعي لدولة معينّة يحدد نوع وسير التعليم فيها، ونظامنا الاجتماعي قائم على أسس خاطئة تتبع المفاخرة والمكابرة فترى كثيراً من الطلاب يدرسون الهندسة والطب لأجل المكانة الاجتماعية لا من أجل التعليم وحبه لتطوير الشخصية، فيصبح تأثير النظام الاجتماعي سلبياً هنا، ولك أن تنظر إلى ألمانيا التي تخرج أكبر عدد من المهندسين نظراً لأنها دولة هندسية صناعية تطور من نفسها دائماً على عكس الأردن التي تخرج اعداداً كبيرة من المهندسين دون أي تطوير أو تقدم أو ازدهار وإنما كان المركز الاجتماعي له دور في دراسة أمثال هؤلاء فقط ليقال عنه مهندس وهو أبعد البعد عن الهندسة وأهلها.

ثالثاً: غياب الأخلاق:
إن غياب منظومة الأخلاق وتردي مستوى القِيَم كان لها أكبر الأثر في انهيار التعليم، فانتشر الكذب والخداع والفساد والرشوة وعدم الإخلاص في جميع الأوساط العلمية. وهذا الغياب في الأخلاق تأثر به الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية والإدارات على حد سواء. فعند الطلبة: الغش مباح. وعند المعلمين: عدم إعطاء المواد حقها تدريساً وتفهيماً أمر عادي. وعند الإدارات يَنتشر الفساد الإداري والمالي القائم على الواسطة والمحسوبية والرشوة. 

في اليابان مثلاُ يتم تدريس وتعليم الطلبة الأخلاق وهم صغار فينشأ الطالب على حب بلده التي تقدم له كل شيء وتنمي فيه حب الوطن وتجعله مسؤولاً عن تقدم اليابان، أما في بلادنا فإن هذا الشعور مفقود، فلا يوجد أحد يعطي لبلاده ذلك الحب ولا أحد يعمل على تقدمه وازدهاره!

رابعاً: الوضع الاقتصادي والمالي:
المال عصب الحياة، فالإنسان الذي يملك المال يملك السلطة والجاه والاحترام ويستطيع تحقيق كل ما يرغب، ومع أن هذا المفهوم خاطئ وغير صحيح إلا أنه مُطبق وقائم في مجتمعاتنا. لذلك فأصحاب الطبقات الغنية هم الأقدر على طلب العلم بأموالهم على عكس الطبقات الكادحة وبذلك تُهَدم المقولة التي تقول بأن التعليم للجميع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.