شعار قسم مدونات

المغرب على "صفيح ساخن" و"نواقيس الخطر" تدق

A protester shouts during a protest against official abuses and corruption in the town of Al-Hoceima, Morocco June 3, 2017. REUTERS/Youssef Boudlal

كل المعطيات الراهنة تؤكد على أن المغرب يسير في حقل الألغام مغمض العينين، الاحتجاجات المتنامية، التدخلات القمعية لقوات الأمن، الاعتقالات التعسفية، الأحكام القضائية القاسية والمجحفة في حق شباب الحراك، الصمت اللامنطقي للمسؤولين وأصحاب القرار، السجالات الكلامية بين مؤيدي الحراك ومعارضيه، السخط والاحتقان الشعبي جراء الأوضاع المزرية. كلها مؤشرات تشير إلى أن المغرب يخطو خطوات عمياء نحو المجهول، نحو نقطة اللاعودة.

لقد كانت الاحتجاجات التي يعرفها الريف المغربي سلمية وحضارية تماما، وكانت المطالب التي نادى بها السكان مشروعة ومنطقية، وكلها تندرج ضمن الحقوق الأساسية، لا أقل ولا أكثر، مجرد مطالب بمستشفيات، وجامعات، ومعامل توفر فرص عمل للسواعد العاطلة، وبنى تحتية ومشاريع تنموية. هي مطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية محضة، كان الهدف منها رفع التهميش عن منطقة الريف المغربي التي كانت ضحية إقصاء ممنهج ومتعمد من طرف سياسات الدولة لعقود طويلة.

وفي الوقت الذي كان فيه الوضع السياسي بالمغرب يعرف ركودا وفراغا، في ظل غياب حكومة فعلية وعدم تشكيلها، كانت الاحتجاجات في الريف تتعاظم قوتها ويزداد حجمها ضخامة. وبعد ملء الفراغ السياسي وتعيين حكومة جديدة، والتي وجدت نفسها أمام احتجاجات واسعة في شوارع مدينة الحسيمة والمناطق المجاورة لها، مما جعلها تتخبط خبط عشواء في سبيل التعامل مع هذه الاحتجاجات.

فشلت الحكومة بالمغرب فشلا ذريعا في تقديم حلول واقعية للمشاكل الراهنة، وتدبير أزمة الريف، زيادة على التدخلات القمعية للأجهزة الأمنية، وتلفيق تهم التخريب للمعتقلين لتبرير الأحكام القضائية الظالمة المجحفة، إضافة إلى فضائح الفساد التي توالت تباعا.

فكان أول قرار اتخذته بعد مشاورات واجتماعات، هو إصدار بلاغ باسم أحزاب الأغلبية تتهم فيه الحراك بالانفصال، فما كان من هذا البلاغ إلا أن زاد الطين بلة، وأشعل الحراك بشكل خطير. فكان هذا القرار خطأ لا يغتفر ودليلا على غياب مقاربات معقولة وذكية تتعامل بها الحكومة الجديدة مع مثل هذه الأزمات، وفشلا ذريعا في احتواء غضب الشارع.

أما الخطأ الثاني والذي لا يقل خطورة عن الأول، هو التدخلات القمعية التعسفية في حق المحتجين، واستعمال العنف بدل الحوار، إضافة إلى "عسكرة " المنطقة وإرسال تعزيزات عسكرية إليها. الشيء الذي جعل الساكنة المحتجة تحس بنوع من الخذلان من طرف الدولة، التي كان ينتظر منها أن تستمع للمطالب المشروعة والتعجيل بالاستجابة لها، بدل انتهاج خيار القوة لتفريق الحشود المحتجة وكتم الأفواه المطالبة بحقها في التنمية والعدالة الاجتماعية.

والخطأ الثالث، والذي أبان بشكل لا لبس فيه عن غباء أصحاب القرار، وعن جهلهم بالأساليب العقلانية في إدارة واحتواء الاحتجاجات، تمثل في الاعتقالات الظالمة التعسفية في حق نشطاء الحراك وزعمائه، وهو ما أدى إلى غضب عارم ليس لدى سكان المنطقة فحسب، بل لدى الشعب المغربي بكامله، وبالتالي تأجيج النفوس الحاقدة الغاضبة، وزيادة في شحنة السخط والاحتقان.

أما الخطأ الفادح والذي كان بمثابة صب الزيت على النار، فقد تمثل في الأحكام الظالمة القاسية في حق معتقلي الحراك، حيث قضت المحكمة الابتدائية بالحسيمة على خمسة وعشرين معتقلا بـثمانية عشر شهرا سجنا نافذا لكل واحد منهم. ما يؤكد بكل وضوح غياب نية المهادنة والحوار عند الدولة، ولجوئها لخيار التصعيد بدل تهدئة الأوضاع، الشيء الذي قد يجر بالبلاد إلى فوضى عارمة، وحالة من اللااستقرار.

وفي ظل هذه الأوضاع وتلك، اتسعت دائرة التظاهر والاحتجاج لتشمل بذلك مدنا أخرى كالعاصمة الرباط، حيث خرج الشعب في مظاهرة ضخمة تضامنا مع ساكنة الريف، وتأكيدا على روابط الأخوة التي تجمع بين أهل المغرب برغم اختلاف اللغات والأعراق، ودعما للمطالب المشروعة، ووقوفا في وجه الظلم وغياب العدالة الاجتماعية، ومطالبة بإسقاط عصابات الفساد والاستبداد التي ما فتئت تنهب المال العام وتسرق خيرات الشعب وتفرغ خزينة الدولة، خصوصا بعد توالي فضائح الفساد بشكل مخيف وبوتيرة دفعت بالشعب إلى الخروج عن دائرة الصمت ليحتج في مسيرة حاشدة إسوة بحراك الريف وسيرا على نهجه وخطواته.

إضافة إلى ما سبق، فإن صمت المؤسسة الملكية باعتبارها المؤسسة الوحيدة التي لا زالت تسترعي ثقة المغاربة، وعدم إصدار بلاغ حول ما يجري في البلاد، في الوقت الذي كان يتوقع فيه الشعب المغربي صدور تعليمات ملكية تمتص غضب الشارع وتهدئ الوضع المتأزم، جعل الشعب يحس بنوع من الاستغراب والاستياء.

من حق الشعب المغربي عموما وساكنة الريف خصوصا التظاهر السلمي، وهو حق يضمنه الدستور. والتأكيد على ضرورة الاحتجاج السلمي وعدم تحكيم منطق العنف، وعلى ضرورة الاتحاد، شعبا واحدا وجسدا واحدا.

اعتمادا على ما سبق من المعطيات، يمكن أن نقول بأن المغرب يعيش أوضاعا خطيرة إذا استمرت بنفس الوتيرة فقد تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها، خصوصا في ظل ارتباك الحكومة الحالية التي تشكلت بعيدا عما أفرزته الانتخابات، والتي فشلت فشلا ذريعا في تقديم حلول واقعية للمشاكل الراهنة، وتدبير أزمة الريف المغربي، زيادة على التدخلات القمعية للأجهزة الأمنية، وتلفيق تهم التخريب للمعتقلين لتبرير الأحكام القضائية الظالمة المجحفة، إضافة إلى فضائح الفساد التي توالت تباعا، وسرقات المال العام بشكل علني وإفلات مرتكبيها من العقاب رغم ثبوت الأدلة ضدهم، زد على ذلك الفروقات الشاسعة بين طبقات المجتمع المغربي والتي تتزايد هوة واتساعا بسبب السياسات الفاشلة للدولة التي أدت إلى تضخيم ثروات الأغنياء في مقابل تفقير الفقراء.

إضافة إلى غياب قانون فعلي يسري على الجميع بكل حيادية ونزاهة واستقلالية وبغض النظر عن المنصب والمرتبة الاجتماعية. أضف إلى ذلك المراتب المتأخرة التي احتلها المغرب حسب تقرير الأمم المتحدة فيما يخص التنمية البشرية، وهي مراتب مهينة في قطاعات أساسية كالتعليم والصحة، زيادة على صور الاستبداد التي يرتكبها رجال السلطة في حق المستضعفين.. كلها مؤشرات تشير بشكل لا لبس فيه، إلى أن المغرب يسير نحو الهاوية.

وختاما، لابد من الإشارة إلى أن من حق الشعب المغربي عموما وساكنة الريف خصوصا التظاهر السلمي، وهو حق يضمنه الدستور. والتأكيد على ضرورة الاحتجاج السلمي وعدم تحكيم منطق العنف، وعلى ضرورة الاتحاد، شعبا واحدا وجسدا واحدا، بعيدا عن الاعتبارات العرقية واللغوية والجغرافية، والوقوف وقفة رجل واحد أمام رموز الفساد والاستبداد، وناهبي المال العام، بلا هوادة ولا استسلام، حتى تتحقق العدالة الاجتماعية، وتقسم خيرات البلاد وثرواته بشكل عادل، وعدم الانزياح نحو السجالات الكلامية التافهة والنزاعات الفارغة بين مؤيدي الاحتجاجات ومعارضيها، الشيء الذي قد يغير مسار المظاهرات ويثنيها عن مقصدها وهدفها السامي. إضافة إلى ضرورة احترام رموز السيادة للدولة بما في ذلك العلم الوطني، وشخصية الملك باعتباره الضامن لاستقرار البلد ووحدته. ودون مزايدة على أمن المغرب واستقراره.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.