شعار قسم مدونات

عجلة التاريخ ترفض مبدأ العملية القيصرية

blogs- مستشفى
أصبحت العملية القيصرية بديل واسع الانتشار في المستشفيات هذه الأيام، ففيها أطراف مستفيدة كثيرة، فالنساء اللاتي يحبذن إجراء هذه العملية للولادة بدلا عن المخاض والولادة الطبيعية، تستفيد من هذا الأمر بأنها حصلت على ما تريد بدون ألم، وبدون عناء، وبدون مخاطر، إضافة إلى أنها تحكم نفسها وزوجها بكمية إنتاج الأطفال على مر أيام حياتها دون أن يستطيع الزوج الممانعة والمقاومة، ذلك أنه لن يكون له حق بأي حال من الأحوال أن يلقيها إلى الموت، أو إلى الانفجار الحاصل في رحمها الممزق، عمدا وبدون عذر، فهي أيضا تستفيد من إضعاف نسلها بالتخفيف للعبء في تحمل التربية لاحقا لعدد كبير من الأطفال، عدا عن ذلك، ففيها فائدة المستشفيات والأطباء في "كسب المال" فقط..
هذا المبدأ الذي من المفترض أن يكون استثنائيا، أصبح يقترب كثيرا في العالم بأسره أن يكون هو الطبيعي، ولكن لن يخفى على أحد في يوم من الأيام مهما تطورت وسائل الطب أن هذا الإجراء استثنائي، وسيظل استثنائيا..

هكذا هي الأيام، بين الناس، وبين الدول، وحتى بين التجمعات أيا كانت، وعلى مر التاريخ، لن يكون فيها مبدأ العملية هو الطبيعي الذي يمخض عن إفرازات مهمة وعميقة ومستقبلية حافلة بإنجازات حقيقة ونجاحات مستقلة غير محكومة وغير مشروطة، وإنما المخاض والألم وتعب إخراج الروح من الروح، والجسد من الجسد، وربما هلاك البعض لأجل الكل، هو الذي سينتج قوة، وسينتج استقلالية، وسينتج إبداعا، وسينتج مبدعين.

سنن التاريخ قد فرضت نفسها على العالم، فلن تكون الناس حرة إلا بامتلاك لقمة عيشها، ولن تكون عزيزة كريمة إلا بأن يحتضنها أرضها وأهلها، ولن يكون كل ذلك إلا بمخاض وألم ودم ونكسات.. للأسف!

لن يكون الشعب بحالة عالمية صحية أبدا طالما أن طعامه بيد غيره لا بيده أمه –وطنه-، تماما مثل الأم التي لا ترضع، وتطعم أبناءها من حليب البقر أو الغنم أو السيريلاك، فقط لأجل أن يبقوا على قيد الحياة، ولن يجدي نفعا أن تصنع من الشعب مثقفا وعمليا ومنتجا ومفيدا وسليما طالما أن وجهته لا تزال -رغم الزمن- إلى الغربة لأن بلاده لم تقو بعد على احتضانه فقط لكسب قوت يومه، تماما كالرحم الذي لا يقوى على احتضان جنينه مدة حمل كاملة، فيضطر به الأمر أن يكون خديجا، وهو ما سيؤثر على قوة بدنه رغم البقاء على قيد الحياة ولو بشكل غير ملحوظ إلا لمدقق النظر، وهكذا دواليك..

لا أحد يتمنى الألم، ولا أحد يشتاق للمخاض، ولا أحد يحب الانتظار حتى تخرج له قابلة المستشفى لتبشره بمولود سليم صحيح، وبأن الأم لم يصبها من هذا المخاض إلا وجعه الذي أصبح ماضيا لا يذكر منه إلا إسمه.

كذلك حال شعوب في هذا العالم على مر التاريخ، لا أحد يتمنى الألم للناس، ولا أحد يتمنى ثورة ولا معارك ولا حروب، ولا أحد يريد القتل ولا الاضطهاد ولا التعذيب ولا الترويع، فلو عدنا بذاكرتنا إلى التاريخ الإسلامي أو غيره، لرأينا في الآثار المورودة كثيرا من هذا القبيل، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تتمنوا لقاء العدو"، وورد أيضا عن نابليون أحد أعظم قادة التاريخ العسكريين أنه قال "أكره دخول الامتحان"، وامتحان مثله المعارك، فهذا طبيعي في النفس البشرية، أنها قد خلقت على كره ذلك ونبذه ونبذ المشوّهين الذين يحبونه ويصطنعونه.

إلا أن سنن التاريخ قد فرضت نفسها على العالم، فلن تكون الناس حرة إلا بامتلاك لقمة عيشها، ولن تكون عزيزة كريمة إلا بأن يحتضنها أرضها وأهلها، ولن يكون كل ذلك إلا بمخاض وألم ودم ونكسات.. للأسف!

لا يستطيع عاقل أن يفكر خارج دائرة قوانين التاريخ، لأنها واسعة تلملم في طياتها كل ما يخطر ببال أحد منا من القتل والدمار والدماء والآلام والتضحيات التي حصلت على مر الزمن، والتي كان نتاجها دائما.. حياة صحيحة سليمة، فالتاريخ قانون.

ما يحصل الآن من ألم يصيب مشاعرنا قبل أجسادنا نحن كأمة عربية بالأخص، وكأمة إسلامية بشكل عام، من تشويه للصالح، وتهميش للمفيد، وتعتيم على الصحيح، وتجميد لقدرة العملي، إن كان هذا على مستوى الفرد أو الدول أو الإعلام أو العلماء أو أيا كان، هو مخاض طبيعي لأي أمة تفكر –ولو بمجرد التفكير- أن تكون في يوم من الأيام سليمة سوية كما ترتضيها النفس، ويريدها العقل، ويسجلها التاريخ أيضا، فالتاريخ يفرض قوانينه على العالم، فلم ولن يستطيع أحد تجاوز هذا القانون ولو امتلك كل الإمكانيات، إن كان على المستوى الشخصي أو الشعبي.

وما وضع علم التاريخ كأحد أهم التخصصات الإنسانية في الجامعات إلا أنه علم مبني على قوانين، وقوانين صارمة وحادة ولا يمكن التلاعب بها ولا تغييرها على أهواء ومصالح، وهي قوانين بدائرة مغلقة، لا يستطيع عاقل أن يفكر خارجها، لأنها واسعة تلملم في طياتها كل ما يخطر ببال أحد منا من القتل والدمار والدماء والآلام والتضحيات التي حصلت على مر الزمن، والتي كان نتاجها دائما.. حياة صحيحة سليمة، فالتاريخ قانون، وهذا القانون، يرفض مبدأ العملية القيصرية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.