شعار قسم مدونات

هذا من صنع "الدراما"

blogs - مهند ونور
حتى في العصور القديمة الشهيرة بالتخلف والرجعية والتسلّط، لم يكن الشاب يُجبر على الزواج بامرأة لا يرغبها! لكن؛ في المسلسل التركي المدبلج الشهير  "نور".. كل شيء أصبح ممكناً.. أجبره جده على الزواج بفتاة قرويّة بسيطة، ليقع هو دون تكلّف منها في عشقها.. فيسطرون لنا بذلك أحلى قصص الحب والسعادة الزوجية المثالية المليئة بالزهور والهدايا ورقصات العاشقين تحت ضوء القمر.. التي لا يمكن لك أن تعايش مثلها إلا في أحلامك!

يقول علم النفس: لن تستطيع الفتاة أن تحب رجلاً اغتصبها حتى وإن تزوجت به، ولن تكون سعيدة مع الرجل الذي أجبرها على أمر لا تريده.. لكن علم النفس لم يصمد طويلاً أمام "فاطمة".. كريم لم يشارك أصدقاءه في الاعتداء عليها، لكنه هو من سلّمها لهم، ولم يحاول أن يمنعهم من فعلتهم!

ظننت أن فاطمة ستكره كريم أكثر من الثلاثة الذين اعتدوا عليها! لكنها وقعت في حبه، فقد وقف إلى جانبها وساعدها في أخذ حقها من المجرمين الثلاثة، ونسيت أنها كان من الممكن ألا تعيش هذه الحالة أصلاً، لو تركها تكمل طريقها دون أن يلفت انتباه أصحابه السُكارى لها! كل ذلك تم تبريره، وفاطمة أحبت كريم وأحبها، وعاشوا في ثبات ونبات وأنجبوا صبيان وبنات، وليذهب علم النفس إلى الجحيم..

إننا سئمنا من الأحداث المتكررة في كل مسلسل تركي يعرض على الشاشة! ففي كل عمل هناك طفل مجهول النسب، وهناك أب لا يعرف أنه أب.. وزفاف ينتهي بمأساة، وحسناء تركض بفستانها الأبيض!

"العشق الأسود"، "سنوات الضياع" و"بائعة الورد".. اتفقوا على أنه لا يجوز شرعاً أن يتزوج البطلان إلا في الحلقة الأخيرة، ربما تشترط الممثلة التركية "توبا بويوكوستن" ألا يتم الزواج إلا في الحلقة الأخيرة ذات النهايات السعيدة.. ولا أعلم ما المشكلة لو تزوجا في منتصف المسلسل وأكملا حياتهما بشكل طبيعي؟!

اعتدنا على أن تنسج لنا الدراما التركية قصصاً أبعد ما يكون عن واقعنا.. حتى أصبحنا نشعر أحياناً أننا نشاهد فيلماً هندياً عالي الجودة! فالأفلام الهندية كما عهدناها، هي سيدة الأكشن والإثارة والغموض، و"اللاواقعية ".. واليوم تنضم الدراما التركية إلى هذا القالب، فتصبح المنافس الأول للدراما الهندية!

كما أننا سئمنا من الأحداث المتكررة في كل مسلسل تركي يعرض على الشاشة! ففي كل عمل هناك طفل مجهول النسب، وهناك أب لا يعرف أنه أب.. وزفاف ينتهي بمأساة، وحسناء تركض بفستانها الأبيض في الشارع بعد أن قرر حبيبها أن يعدل عن قرار الزواج في اللحظة الأخيرة أمام الملأ، لأمر طارئ لم يحلو له الحدوث إلا ليلة الزفاف! ليصورون لنا بذلك مشهداً حزيناً مليئاً بالدموع والانكسارات!

لا أنكر أنني تابعت المسلسلات المذكورة أعلاه للمرة الأولى بشغف، أنا مشاهِدة عاديّة ولست ناقدة، حين أشاهد مسلسلاً يعرض للمرة الأولى سأركز في الأحداث الرئيسية ولن أغوص وأدقق في التفاصيل، لكنني حين أكرر متابعته مرة ثانية، تجدني أركّز على كل صغيرة وكبيرة في المسلسل، فأخرج بنتيجة أنه لم يكن يستحق كل تلك الضجة! وأسأل نفسي كثيراً: "ما الذي جعلني وفية لمتابعة الأعمال الركيكة تلك؟"

أما الأسوأ من ذلك كله، هو تأثر الدراما السورية بالدراما التركيّة منذ دخولها عالمنا العربي واكتساحها مساحات واسعة من الشاشات العربية.. إذ أصبحت الدراما السورية تحاول أن تبني أعمالاً تلفزيونية مشابهة في بيئتها لبيئة المجتمع التركي، متناسية الاختلافات التي لا يمكن تجاهلها، بين المجتمع العربي الشرقي، والمجتمع التركي..

 المأساة الحقيقية تكمن  في أن تلك المسلسلات " الأكثر جرأة "، لا يتقرر عرضها إلا في شهر الرحمة والغفران، شهر رمضان المبارك، والمسلسل الأجرأ لا يُعرض إلا قبل الإفطار بساعة!

اليوم، يقاس نجاح الممثلة الفلانية بوصفها "الفنانة الأكثر جرأة".. ومعايير نجاح أي عمل درامي تعتمد بالدرجة الأولى على عدد المشاهد الجريئة التي يطرحها.. وأصبحوا يتنافسون في من سيكتب في نهاية الشارة للمسلسل النص التالي: "هذا المسلسل يحتوي مشاهد لا تناسب الأطفال".. أو " يرجى عدم السماح لمن هم دون الثامنة عشرة بالمتابعة "!

تكمن المأساة الحقيقية، في أن تلك المسلسلات " الأكثر جرأة "، لا يتقرر عرضها إلا في شهر الرحمة والغفران، شهر رمضان المبارك، والمسلسل الأجرأ لا يُعرض إلا قبل الإفطار بساعة، الوقت الذي علينا أن نستغله في الدعاء والاستغفار! .. يأتي رمضان ليكفّر لنا ذنوبنا، فتأتي المسلسلات والبرامج الرمضانية " رمضانية التوقيت وليست رمضانية الطابع "، لتهدم كل محاولات المسلم في ترميم علاقته مع ربه! يحاولون قدر الامكان ملء جدول الإنسان بتفاهاتهم المخجلة، حتى لا يجد وقتاً للصلاة أو الاستغفار..!

إن كانت الدراما التركية تتجاوز الخطوط الحمراء، فذلك لأنها تصور بيئة مجتمعها ومباحاته ومحظوراته، ولذلك لا تجد العربي يكثر من انتقاد "جرأة المسلسلات التركيّة"، إنما نوجه انتقاداتنا لصنّاع المسلسلات السورية خصوصاً والعربية عموماً، وأخص بالذكر السورية لأنها الأوسع انتشاراً، الذين أصبحوا يقدمون لنا أعمالاً لا تمت للواقع بصلة، أعمالاً مخجلة ليست فينا ولسنا فيها.. رسالتي لهم:

كفاكم استخفافاً بعقول المشاهدين، وحسبها بلادنا وبلادكم الخراب الذي عاث فيها، لا نريد منكم أن تصوروا لنا حياة وردية، ولا نهايات سعيدة.. قدموا لنا صورة حقيقية عن عالمنا فقط، وإلا فالتفتوا إلى أمر آخر فيه خيرنا وخيركم، يرحمنا ويرحمكم الله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.