شعار قسم مدونات

إضراب الأسرى.. وهزيمتنا

blogs- السجون

في صباحِ يومِ الثّلاثاء، من قلبِ الجامعة، الجامعةِ الّتي ينبغي أن تكون صرحًا للعلمِ ونافذةً للوعيِ والجٓسد الاجتماعيّ، بعد خوضِ أحاديث لا تُسمنُ ولا تُغني من جوعٍ اقتطاعًا من وقتِ المحاضرة، سألتُ مقاطعًا أستاذ المادّة: والأسرى، أليس لهُم من وقتِنا نصيب! فجاء الرّدّ باستنكار: مالهم؟ فقلتُ: هُم في معركةِ إضرابٍ عن الطّعام لنيلِ حقوقهم ومطالبهم، فقاطعني بِما لم أُرد سماعه قائلًا: أنا ضدّ كلّ ما يفعله الأسرى! أيظنّون أنفسهم في فندقٍ ذي خمسِ نجوم؟ أيطالبون بتلفازات ليشاهدوا الأفلام ويستمتعوا في السّجن! أيريدون إثقال كاهلِ أهلِهم وزيادة ما يتكبدونه عليهم؟

أخبرتهُ محاولًا التّمسك بخيطٍ من الأملِ عن صحّة الأسير مروان البرغوثي فاستنكر! أخبرته عن الأسير عبد الله البرغوثي، صاحب أكبر حكمٍ في سجون الاحتلال فاستنكر، أخبرته عن النساءِ والأطفالِ في السّجون فاستنكر! فأيّ شيءٍ بعد هذا يُرتجى؟ وأيّ نصرٍ يخرجُ من بينِ هؤلاء الّذين يعرّون أنفسهم من الإنسانيّة ويمشون جثثاً هامدةً بِلا أحاسيس؟ إذن؛ فلا تثريب على حالِنا، ولا عجب أن نصنع هزائمنا فوق انتصاراتِ من سبقونا من الشّرفاء!

ما آلتِ الأمّةُ إلى ما هي عليهِ إلّا لتفرّقها وتنازُعها، وجعلِ الغايةِ الفرديّة أهمّ من أمانِ المجتمعِ واستقرارِ حاله.

إنّ اتحاد الأحرارِ في السّجونِ وتشتّتنا خارجها لهو العارُ كلُّه؛ فهل يُعقلُ أن يعرف أحدُ السّجناءِ بمثلِ هذه الأحوالِ وهو في خضم تحدياته! أيعقل أن نكون همّاَ آخر للأسرى فوق كلّ الّذي يعانونه؟! ثمّ إنّ الأسرى حين يقرّرون خوض معركةٍ كهذهِ فإنّهم يعلمون حقّ العلمِ النتائج والنهايات، ويدركون جيّدًا أنّهم لم يتّخذوا القرار عبثًا، بل أقدموا عليهِ واعين عارفين بعد كلّ الذي حُرموا منه، ومنعوا عنه؛ فكان أن مالوا ميلةً واحدةً في وجهِ المحتلّ الأرعن، المحتلّ الّذي يظنّ أنّه سيثبطّ عزائهم، ويثنيهم عن قراراتهم، إلّا أنّه واهمٌ في كلّ والمقاييس، وإنّ غدًا لناظرهِ قريبٌ.

والآن، لم يبقى لنا إلّا الاعتصامُ بحبلِ اللهِ والسّير على نهجه، فما آلتِ الأمّةُ إلى ما هي عليهِ إلّا لتفرّقها وتنازُعها، وجعلِ الغايةِ الفرديّة أهمّ من أمانِ المجتمعِ واستقرارِ حاله، وإنّ أمّةً لا تتّخذُ كلّ ألمٍ فيها ألمًا لها ليست بأمّةٍ منتصرة؛ فشدّوا الوثاق، وأخلصوا النوايا، ولا تخشوا في اللّهِ لومة لائم؛ فوالله لا ظُلم يُخشى وغايةُ الحقّ هي المقصد، ولا شيء يقوى إذا ما كان للظّلمِ ساعيًا، وللجورِ مُعاديًا.

أمّا أنتُم أسرانا وآسرينا، شُعلتنا وتاريخ قضيّتنا، فإنّكم في سجنكم مُحاصِرين لا مُحاصرين، فليستِ الأجسادُ مقياس الحرّية وعيشها، إنّما هي الفكرة السّامية، الفكرةُ الّتي لا شيء يقيّدها، ولا عدوان يستطيعُ لها أسرًا، ولا مُتخاذل يقدرُ أن يمسّ بها؛ فهيِ شمّاءُ لا يضرها من خذلها ووقف في طريقها، ماجدةٌ تعلو ولا يعلو فسادٌ عليها، وإنّكم بإذنِ اللهِ منتصرون نصرًا يغيظُ كلّ من لم يراهن عليكم، نصرًا كتبهُ اللهُ لكم ولمن عاش في سبيله، وذاد عن حُرُماتٍ سيثأرُ دمُهُا ثأرًا لا رادّ له، ولا خيانة بعده، وإنّنا معكم حيثُ سرتم، لا نخذلكم ولا ننأ عنكم مهما يكن، وإن تقاعست فئةٌ فليسوا بضارّيكم شيئًا، وإنّ الّذي بينكم وبين عظيمِ النّصرِ صبرُ ساعةٍ، وليس بعد النّصرِ إلّا التّمكينُ والعدلُ بإذن الله. "فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.