شعار قسم مدونات

حوار مع مارسيل

blogs - مارسيل خليفة
"منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي.. في كفي قبضة زيتون وعلى كتفي نعشِ"، ابنة الخمسة أعوام لم تدرك معنى النعش المزروع على كتفها ولمَ نمت بضع حبات من الزيتون بين كفيها الصغيرتين.

لكنها أغنية حفظتها وغنتها بشيء من الشعور المتدفق في صدرها.. لم تدرك كنهه جيداً لكنه أشبه ما يكون بالسحر ذاك الذي يجعل عيناها تلتمعان وجسدها ينتفض بحماس وشجاعة كفيلين كي تركض في الساحة وهي تترنم بكلماتها.. "وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا.. وأنا أمشي".

كلمات مارسيل كبرت معها إذ تكبر شيئاً فشيئاً، "إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية.. إني اخترتك يا وطني سراً وعلانية "، ترى هل يختار المرء وطنه أم أن وطنه من يختاره؟ الوطن كلون بشرتنا نولد بها ونرتدي ما يسترها لكن ما نرتديه لا يغير اللون تحته.. كذلك الوطن. 

لا أحد اليوم يغني معنا في الشام.. أنا التي هتفت وغنيت للبنان والقدس والعراق.. عاد الصدى ليبتلع أغنياتي ويسرقها من حنجرتي.. عاد ليمارس مؤامرته.

فليتنكر لي زمني.. ما دمت ستذكرني.. ترى هل تذكرني اليوم يا وطني؟ وهل يختار المرء وطنه أم أن وطنه من يختاره؟ لكني سأبقى أختارك يا وطني.. الرائع يا وطني.. لأنك بكل بساطة دائم الخضرة يا وطني.. كقلبي الصغير وإن بان بعيني الأسى.. وإن صارت صبحاتي مسا! و غضب.. وغضب.. وغضب..

تلتهب الثورة في عروقها الغضة الطرية.. "جئتك في زمن الجزر.. جئتك في عز التعب".. أجل.. أتيناك في لحظة المخاض يا وطني ولم نكن نعلم أن الألم سيقذفنا بعيداً وراء البحار خارج رحمك الدافئ وآلاف الحبال السرية لاتزال تربطنا بك يا وطني الرائع يا وطني.. أمي في صباها غنت مع فرقة العاشقين

"والله لازرعك بالدار يا عود اللوز الاخضر"
 "يالوز الاخضر نادي.. فلسطين الخضرا بلادي"

شربت لبنها وأنشدت قصائد سليمان العيسى فأزهرت فوق ثغري براعم الليمون "فلسطين داري ودرب انتصاري"، من منا لم يحفظ ولم يردد شيئاً من هذا السحر؟

تظل بلادي.. هوى في فؤادي
ولحناً أبياً.. على شفتيا

حملت العلم الفلسطيني وانطلقت أهتف بحنجرة قوية والدماء تضخ بعنف.. تحمر وجنتي وتبرد أطرافي.. وهناك في غزة.. كانت تسيل ظننت أني أساهم في التحرير وأن صوتي في ساحة المدرسة الذي صدح بأغنية فيروز "الغضب الساطع آت ومريت بالشوارع شوارع القدس العتيقة"

وصل القدس وأخبرهم أننا في الشام هاهنا نعيش ثورة ونحمل معكم هم المعركة وهم الانتصار.. مرت الأيام وعدنا لنغني مع جوليا "وين الملايين " والملايين غنت مع جوليا أيضا" لكن الصدى ابتلع أصواتهم ولم يعد لنا حتى اليوم صوتاً واحداً.

ترى هل يختار المرء وطنه أم أن وطنه من يختاره؟ الوطن كلون بشرتنا نولد بها ونرتدي ما يسترها لكن ما نرتديه لا يغير اللون تحته.. كذلك الوطن.

لا أحد اليوم يغني معنا في الشام.. أنا التي هتفت وغنيت للبنان والقدس والعراق.. عاد الصدى ليبتلع أغنياتي ويسرقها من حنجرتي.. عاد ليمارس مؤامرته، لا أملك اليوم لطفلي الذي ترعرع في القاهرة ولا أغنية.. حتى النشيد الوطني.. كله قد سرق!

أخبرني يا مارسيل.. هل مازال وطني الرائع دائم الخضرة؟ وأنت يا سليمان العيسى.. ألم تعدني بأن تظل بلادي هوى في فؤادي؟ وذاك اللحن الأبي.. أين أختفى؟ جوليا.. مازالت تنادي.. وين الملايين؟ وطفلي اليوم يردد:

"علمونا في مدرستنا ازاي نحبها.. نخاف عليها كل حياتنا ونحمي أرضها.. فهمنا يعني إيه بلادي.. تحية العلم ننادي.. لك حبي وفؤادي.. بنحبك يا مصر"

أدندن معه قليلاً وأقول في سري.. جيد لك يا طفلي الحبيب أنك لم تحفظ وتردد " بلاد العرب أوطاني!" ومن لطف القدر أنك لم تتغنى بموطني موطني.. الجمال والجلال.. لا يهم يا عزيزي أن تنتمي أو لا تنتمي.. لأن الصدى سيكبر ويبتلع أغنياتك الطفولية ولن يعدها إليك كما فعل معي!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.